شهر رمضان هو مدرسة، شريطة ان ينظر اليها الانسان كمدرسة يتعلم فيها القيم والمبادئ الاخلاقية والروحية. اما الذي يدخل هذا الشهر الكريم كما يدخل اي شهر آخر، فانه سوف لايصبح بالنسبة اليه مدرسة، بل قد يسبب له انتكاسة وهبوطاً في المستوى الروحي بدلاً من ان يدفعه الى الأمام. هذه الحقيقة هي الحقيقة الاولى التي يجب ان ندركها في هذا الشهر الفضيل؛ فالصيام هو – بحد ذاته – مدرسة، لانه يربي في الانسان الارادة، ويزوده فوق ذلك بصفة التقوى، هذه الصفة التي لو امتلكها الانسان وتسلح بها لاستطاع ان يقاوم ضغط الشهوات، وضغط المجتمع.. والتقـوى هي اعظم سلاح بيـد الانسـان، يستطيع بواسطتـه ان يسخر الطبيعة ويذللها له. وفي هذا المجال يقول القرآن الكريم : “يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ”.
إعداد/ غيث علي
هدف الصيام التقوى:
ان الهدف من الصيام هو تنمية ملكة التقوى في نفس الانسان، ولكن..! هل بامكان هذا الانسان ان ينتفع من الصيام دون ان يسعى من أجل الحصول على هذه الصفة المثالية ؟ الجواب بالنفي طبعاً. فالذين يصومون دون ان يخلصوا لله تعالى عبادتهم، ودون ان يوحوا الى انفسهم بالدافع الحقيقي الى الصوم، ويصومون دون ان يتورعوا في ايام وساعات صومهم ويوم افطارهم.. فان مثل هؤلاء لايمكن ان يستفيدوا من شهر رمضان، كما جاء في الحديث الشريف : كم من صائم ليس له من صيامه إلاّ الجوع والعطش.
الأدعية تزودنا بمعرفة الله:
ان ادعية شهر رمضان، وخصوصاً دعاء الافتتاح تزودنا بمعرفة الله تبارك وتعالى، ومعرفة صفاته واسمائه. اما اذا قرأنا هذه الادعية دون ان نتوجه الى معانيها ونتدبر فيها، ويسودنا الشعور باننا نقف امام خالقنا ومن بيده أمرنا ومصائرنا، فان قراءة هذه الادعية سوف تصبح بالنسبة الينا كقراءة الصحف والقصص، وحينئد سوف لا يكون الدعاء مدرسة لنا.
تفسير حسب الأهواء :
كما أن البعض من الناس يفسرون الآيات القرآنية حسب اهوائهم، لانهم يعيشون في جو هذه الاهواء دون ان يشعروا، ودون ان يعرفوا انهم يعبدون اصنام انفسهم. فهناك البعض يعبدونه حقاً، ولكنهم عندما يموتون ويستيقظون على الحقيقة المرة، فان يقظتهم هذه سوف لاتنفعهم شيئا، وسوف لاينفعهم قولهم : « رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ » لان الله تعالى سوف يجيبهم قائلاً : «كَلآَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا وَمِن وَرَآئِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ» فنحن لا نستطيع ان نعرف الخالق تعالى من خلال الأدلة النظرية، بل يجب ان نتعرف عليه بقلوبنا ليتجلى لنا.
ضرورة الاعتراف بالنواقص :
وبالتالي فان علينا ان ندخل هذه المدرسة المتكاملة، لكن نزكي انفسنا من خلال معرفة الله، وقراءة القرآن. وتزكية الانسان لنفسه تعني اولاً ان نعترف سلفاً بان لنا اخطاء وفينا نواقص. فالانسان الذي يرى سلفا انه كامل، ومعصوم من الزلل، فانه لايستطيع ان يزكي نفسه. فعلينا – اذن – قبل كل شئ ان نعترف بنواقصنا، ونبحث عنها من مثل النقص في الايمان، والارادة وسائر الصفات الاخرى من قبيل صفة الصدق.
زكاة الحقيقة التقوى :
يقول القرآن الكريم : « هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَاَكُم مِنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلاَ تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى » فزكاة الحقيقة هي التقوى، والمقياس هو العمل الصالح، فلا يحاول الواحد منا ان يصل الى مستوى من الوعي والتقوى إلا من خلال العمل الصالح، وإلاّ فمن المستحيل ان يجعل الله سبحانه وتعالى ذلك الذي لم يعمل الصالحات في مستوى واحد مع ذلك الذي اجتهد وعمل في شهر رمضان. فالله عز وجل انما خلق السماوات والأرض بمقياس الحق، واعطى لكل ذي حق حقه. اما ان يتفضّل تعالى على الانسان عبثاً، ومن دون عمل واجتهاد، فان هذه الفكرة يجب ان نخرجها من اذهاننا. وبناء على ذلك، فان علينا ان نعود انفسنا على الكدح والتعب، وعلى مقاومة جاذبية الراحة، والشهوات.
لا نجاح للعمل بدون تزكية :
عن الامام الصادق (عليه السلام) انه روى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: طوبى لمن طال عمره، وحسن عمله، فحسن منقلبه اذ رضي عنه ربه عز وجل. وويل لمن طال عمره وساء عمله، فساء منقلبه اذ سخط عليه ربه عز وجل. وهكذا فان الانسان المسلم لايمتلك في حياته سوى بضعة اشهر من رمضان، وهو مع ذلك لايعرف هل سيعيش في الشهر القادم ام لا. فهناك الكثير ممن طواهم الموت قبل فترة قصيرة وقد كانوا يحسبون انهم سيعيشون رمضان، والبعض منهم كان قريباً من هذا الشهر، وكان قد وضع لنفسه برنامجاً فيه، ولكن المنية عاجلتهم.









