اسرة وتسلية

رمضان ربيع القرأن

   لقد خص الله تبارك وتعالى شهر رمضان بفضيلة نزول القرآن الكريم في أيامه، ولهذه الخصوصية منزلة عظيمة ذكرها نبي الرحمة (ص) في أكثر من حديث، وبين مالقراءة القرآن في هذا الشهر من أجر وثواب كبيرين، وبين أن قارئ القرآن في هذا الشهر الفضيل يتميز بمزايا تزين دنياه وآخرته، وفي كل حرف قرأه في وحدة او على ملأ من الناس حسنات لاتحدها حدود، وأكد أن العلاقة وطيدة بين رمضان والقرآن. تلك العلاقة التي يشعر بها كل مسلم في قرارة نفسه مع أول يوم من أيام هذا الشهر الكريم، فيُقْبِل على كتاب ربه يقرأه بشغف بالغ، فيتدبر آياته ويتأمل قصصه وأخباره وأحكامه، وتمتلئ المساجد بالمصلين والتالين، وتتعالى في المآذن آيات الكتاب المبين، معلنة للكون أن هذا الشهر هو شهر القرآن، قال جل وعلا: “شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان”. فكيف تجلّت هذه العلاقة؟ وما أبرز معالمها؟

إعداد/ طيبة علي

 
 لقد أثبت النصّ القرآني نزول القرآن الكريم في شهر رمضان، بل في أشرف لياليه كما في (سورة القدر): «إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ». وهذه العلاقة بين القرآن الكريم وبين شهر رمضان، تختصر لنا رؤية الإسلام في بناء الإنسان، ذلك انها تمثل العلاقة بين المعرفة والتربية، و بين التعليم والتزكية، فشهر رمضان المبارك، بما يوفره من تطهير للنفس البشرية، يكوّن الوعي والنفس الطاهرة لاحتضان معارف القرآن الكريم، وبصائره، وبمقدار زكاة النفس يلتقط الانسان من معارف وهدى القرآن وبصائره. كما ان الواقع النفسي للانسان المسلم له دخل كبير في فهم النصّ القرآني. فهناك عدة مستويات في علاقة تنمية النفس وتزكيتها، بالتعاطي مع النص القرآني:
 المستوى الاول: 
التسليم والإنقياد، بمعنى السير خلف الآيات المُحكمة، والتوقف عند الآيات المتشابهة، كما اشارت الى ذلك الآية السابعة من (سورة آل عمران): “هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ”. فكلما كان الانسان مزكياً لنفسه و لذاته، أصبحت عنده حالة الرسوخ في العلم، وهذه الحالة تعني التوقف عند المتشابهات والسير خلف المحكمات من الآيات القرآنية.
 المستوى الثاني: 
الالتزام بحروف القرآن وحقائقه. فالنفس اذا تمردت وطغت، فانها تعبث بأهم المقدسات وهي الكتب السماوية. من هنا فان القرآن الكريم، يشير الى جذر مشكلة اتباع المتشابهات، وهو «زيغ القلب»، لذا جاء في الآية التالية الدعاء: «رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ». إذن؛ هنالك علاقة وطيدة بين زيغ القلب واتباع المتشابهات وتحريف القرآن الكريم. 
 المستوى الثالث: 
فهم النص ووعيه، فما لم يتخطّ الانسان المسلم نوازع الذات، سوف يكون دون مستوى فهم الخطاب القرآني، ألم يقل الله عز وجل: «أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا»؟ من هنا وصف القرآن الحكيم المنافقين بانهم «لا يفقهون»، ومن هنا ربطت الآيات القرآنية بين الوصول الى الحقائق (الهدى)، وبين التقوى و الورع، كما قوله تعالى: «هدىً للمتقين»، مع أن القرآن الكريم، هو لجميع الناس، فلماذا قيّد بانه هداية للمتقين؟ ما ذلك إلا لان لتزكية النفس وتربيتها، الدور الكبير للوصول الى الحقائق و إدراكها.
  أن شهر رمضان يوفر أرضية لفهم القرآن الحكيم، وذلك انه يساهم في تزكية النفس وتربيتها، ولكن هذا لا يكفي، فنحن في حاجة لخطوات اخرى للاقتراب من القرآن الكريم وفهمه و وعيه، ومن أهم هذه الخطوات التي يحتاجها الانسان المسلم في شهر رمضان، هي ضرورة تعلّم لغة القرآن الكريم. وبما إن لكل ثقافة وفكر وعقيدة، لغة خاصة به، فان لغة القرآن التي تعكس وتعبر عن ثقافة الاسلام، وما أنزله الله عز وجل، هي اللغة العربية، من هنا نحن بحاجة، اضافة الى ما يقوم به الناس في شهر رمضان، من تلاوة القرآن وحفظه، الى خطوات جادة من قبل القائمين على المشاريع القرآنية، لتشويق الناس لتعلّم لغة القرآن، ذلك انهم كلما اقتربوا الى لغة القرآن، وهي اللغة العربية، اقتربوا من فهم النص القرآني الكريم، ووعيه. 
  ثواب قراءة القرآن
    وما ذكره نبينا (ص) وآل بيته الأطهار عن فضيلة الشهر وقراءة القران في ايامه ولياليه كثيرة، فقد قال الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله): “نوروا بيوتكم بتلاوة القرآن”. وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: “من قرأ القرآن وهو شاب مؤمن اختلط القرآن بلحمه ودمه وجعله الله مع السفرة الكرام البررة وكان القرآن حجيجا عنه يوم القيامة يقول يا رب إن كل عامل قد أصاب أجر عمله إلا عاملي فبلغ به كريم عطاياك فيكسوه الله العزيز الجبار حلتين من حلل الجنة ويوضع على رأسه تاج الكرامة ثم يقال له هل أرضيناك فيه فيقول القرآن يا رب قد أرغب له فيما أفضل من هذا قال فيعطى الأمن بيمينه والخلد بيساره ثم يدخل الجنة فيقال له اقرأ آية فاصعد درجة ثم يقال له هل بلغنا به و أرضيناك فيقول نعم قال ومن قرأ كثيرا وتعاهده بمشقة من شدة حفظه أعطاه الله عزوجل أجر هذا مرتين”. 
 ثواب تجويده
  وعن كيفية أداء القرآن والاسترسال في تحسين الصوت في قراءته، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إن حسن الصوت زينة القرآن. وقال (صلى الله عليه وآله) زينوا القرآن بأصواتكم فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسناً. وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) اقرأوا القرآن بلحون العرب وأصواتهم وإياكم ولحون أهل الفسق وأهل الكبائر وسيجيء قوم من بعدي يرجعون بالقرآن ترجيع الغناء والرهبانية والنوح لا يجاوز حناجرهم مفتونة قلوبهم وقلوب الذين يعجبهم شأنهم. وعنه (صلى الله عليه وآله) لكل شيء حلية وحلية القرآن الصوت الحسن. وروي أن موسى بن جعفر (عليه السلام) كان حسن الصوت وحسن القراءة وقال يوماً إن علي بن الحسين كان يقرأ القرآن فربما مر به المار فصعق من حسن صوته.
  وعن قراء القرآن.. هناك من يقرأه بقلب غير خاشع، كأنه يردد كلمات وجملا يحسن فيها اللفظ ومخارج الحروف، فيما لا يعي ماتهدف اليه المفردة والعبارة، وقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) القراء ثلاثة؛ قارئ ليستدر به الملوك ويستطيل به على الناس فذاك من أهل النار. وقارئ قرأ القرآن فحفظ حروفه وضيع حدوده فذاك من أهل النار. وقارئ قرأ فاستتر به تحت برنسه فهو يعمل بمحكمه ويؤمن بمتشابهه ويقيم فرائضه ويحل حلاله ويحرم حرامه فهذا ممن ينقذه الله من مضلات الفتن وهو من أهل الجنة ويشفع فيمن يشاء.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان