اسرة وتسلية

أنـــحـــن صائــمـــون فــعلا؟

محمد عبد الله الهبدان

 

  مع انقضاء ثلثي رمضان هذا الشهر المبارك وكل منا له من صومه حظ من الثواب بحسب عزمه وحزمه وتشميره.. ولذلك فإن التفاوت في اغتنام رمضان حاصل لا محالة بين الناس كل بحسب اجتهاده. فمن أتى بالصوم في رمضان ناقصًا نقص من أجره بحسبه ومن اجتهد واقتصد في رمضان فأجره على ما اجتهد..ومن صامه إيمانًا واحتسابًا فأولئك من زمرة الصائمين حقًا.. الفائزين في رمضان! رمضان معركة يحتدم فيها الصراع بين المادة والروح، فحذار أن تنهزم، حذار أن يصوم بطنك عن الطعام والشراب، وتفطر جوارحك على العصيان، حذار أن تنشط للسمر والسهر في الأفلام واللعب واللهو واللغو وتكسل عن العبادة، حذار من ذلك كله، فإنها الهزيمة التي يشمت فيها الشيطان ولا يرضى عنها الرحمن.    

 اولا :  إن الصوم الحقيقي ليس مجرد الإمساك عن المأكل والمشرب وحاجات الجسد من الشهوات فحسب، ولكنه يشمل أموراً أخرى وبها ينال الصائمون كمال الأجر وبها يسبقون.. وأهم هذه الأمور حفظ اللسان، فالبلاء موكل بالمنطق قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام في الحديث الشريف: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت». ورب كلمة تقول لصاحبها دعني، ألا فليكف كل منا لسانه عن اللغو والرفث والصخب والجدال في غير الحق، والغيبة والنميمة وقول الزور وشهادة الزور، والبهتان والهمز واللمز والأيمان الكاذبة، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «رب صائم ليس له من صومه إلا الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر». وقال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». 

ثانياً: إمساك وحفظ للبصر: فالصائم حقيقة من خاف الله تعالى في عينيه فلم ينظر بهما نظرة محرمة: “فإن النظرة سهم من سهام إبليس فمن تركها خوفا من الله آتاه الله عز وجل إيمانا يجد حلاوته في قلبه”.

يقول الله جل وعلا: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ}. إن إطلاق البصر وتثبيت النظر في المحرم، ليقود الناظر إلى الهلاك في العاقبة، أو إلى الأمراض النفسية، ذلك أن الناظر إلى ما هو محرم عليه، إما أن يتبع النظر بالعمل على إشباع ما تلهفت إليه نفسه بعد النظر فإذا هو يسعى إلى المحرم، ويرتب وهو صائم خططًا هي نسيج الشيطان، وإما أن يقف عند الحد الأول ولا يستجيب للمطالب التي تستحثه، فيكبت نفسه، والكبت والصد بعد الانطلاق تتولد عنه هزات عكسية تنفعل لها النفس وتمرض، فاتقِ الله يا من أطلقت لعينيك النظر إلى الحرام فالعين تزني وزناها النظر.

 ثالثاً: إمساك وكف عن سماع ما لا يحل سماعه من لهو وغيبة وغيرهما  ويكفي أن تعلم أن الله قرن السامعين للكذب بالآكلين للسحت قال تعالى: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} وجعل سماع الكذب والاطمئنان إليه شأن اليهود المخذولين قال تعالى: {وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ} وقال تعالى في مجالس القول الباطل: {فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ}  فالقائل زورًا والسامع الراضي به شريكان في الإثم، قال جابر رضي الله عنه: “إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم ودع أذى الجار وليكن عليك سكينة ووقار، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء”.

الصيام نعمة كبرى به تكفر الذنوب، وترفع به الدرجات، وبه تقوى صلة العبد بربه لأنه عمل خفي، وكلما كان العمل خفيًا كان أقرب للإخلاص فاحفظه يضاعف لك ثوابه، وتحمدوه عقباه يوم القدوم على الله، يوم الفرحة العظمى، التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: «للصائم فرحتان فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه» فإذا كان الصوم كما ذكرنا، كان من حقنا أن نتساءل:

هل نشعر في الصيام بسمو أرواحنا، فنأبى أن ننحدر كما كنا ننحدر قبل رمضان؟!.

إذن لماذا لا نجعل من رمضان موسماً نتزود فيه من الخير ونستودعه أرواحنا حتى ننفق من ذخيرته السنة كلها؟! فلا تكون أعمارنا إلا خيرًا وبركة وسموًا ورفعة. رمضان معركة يحتدم فيها الصراع بين المادة والروح، فحذار أن تنهزم..، حذار أن يصوم بطنك عن الطعام والشراب، وتفطر جوارحك على العصيان، حذار أن تنشط للسمر والسهر في الأفلام اللعب واللهو واللغو وتكسل عن العبادة، حذار من ذلك كله، فإنها الهزيمة التي يشمت فيها الشيطان ولا يرضى عنها الرحمن. واذكر دائمًا قول رسولك صلى الله عليه وسلم: «رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش» فمن صام بطنه عن الطعام، وفرجه عن الشهوات..وجوارحه كلها عن المحرمات ..وأتى بما استحبه الله في هذا الشهر من القيام والذكر والإحسان والقربات فقد نال السبق وصام رمضان الصيام الحق. نسأل الله أن نكون من الصائمين حقاً وصدقاً.

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان