اسرة وتسلية

أطب مطعمك..!

إعداد/ محرر الصفحة

 

   من الأحاديث التي يحثنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيها على انتقاء مايدخل جوفنا من مأكل ومشرب حديث يقول: « أطب مطعمك تكن مستجاب الدعاء » وهو حديث مكون من مقطعين، الأول: أطب مطعمك، وهو أمر يطلب فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يطيب الإنسان مطعمه، وذلك على مستويين : 

المستوى الأول: أن يكون الطعام حلالاً، ومعنى هذا أن يكون مصدر الدخل حلالاً ليس فيه شيء من الرشوة أو السرقة أو الاختلاس أو الاغتصاب أو التدليس أو الغش، ويكون أيضا بعيدا عما حرم الله من المطعومات كالخمر والخنزير والميتة والدم المسفوح، قال تعالى : “قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ”. [الأنعام :145] بل إن قصة آدم عليه السلام في القرآن بينت نكد أكل الطعام المخالف وجعلته سببًا للطرد من الجنة قال تعالى : “فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ”. [الأعراف :22]. وقال الحسن البصري رضي الله تعالى عنه: « كانت بلية أبيكم آدم أكله، وهي بليتكم إلى يوم القيامة »، فإن كان الطعام من مال حلال، وهو مما أحل الله من المطعومات دخل الطاعم حد استجابة الدعاء. 

المستوى الثاني : هو أن يكون الطعام نفسه طيبًا في مذاقه، وفي إعداده، والذي يطلب هذا النوع من الطعام هو رقيق القلب، رهيف الحس الذي لا يدفعه الجوع لملء البطن دون تلذذ بالتذوق والاستحسان، وهي صفة نراها في قوله تعالى عن أهل الكهف بعد بقائهم 309 سنة في سبات ونوم : “فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا”. [الكهف :19]، فلم يدفعهم الجوع إلى طلب أي أكل ولو كان حلالا في ذاته، وفي مصدره، بل طلبوا أن يكون مرتبطا بأنه الأزكى، ثم تشير الآية إلى كمية الطعام وأنها برزق منه، ولم يقولوا فليأتكم به، وهنا نرى العلاقة مع الطعام نتيجة تزكية النفس، ونرى في حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أن تزكية النفس من طيب المطعم حيث ذكر:   الرجل يطيل السفر، أشعث، أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب. يا رب. ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له) 

كما ان تناولنا الطعام يجب أن يكون منضبطًا؛ لأن له أثرا في حياتنا اليومية بجميع جوانبها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وهذه الضوابط تؤخذ من القرآن وسنة نبيه وآل بيته الأطهار، فمنها قوله تعالى: “وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُسْرِفِينَ” [الأعراف :31]، فالأكل أمر مهم ينظمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الذي يرويه المقدام بن معدي كرب؛ حيث قال: « ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه، حسب ابن آدم ثلاث آكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث طعام، وثلث شراب، وثلث لنفسه ». وقد أدرك السلف الصالح هذا المعنى فيقول ابن ماسويه الطبيب لما قرأ هذا الحديث: لو استعمل الناس هذه الكلمات لسلموا من الأمراض والأسقام، ولتعطلت الوصفات الطبية ودكاكين الصيادلة. يقول إبراهيم بن أدهم: (من ضبط بطنه، ضبط دينه، ومن ملك جوعه، ملك الأخلاق الصالحة، وأن معصية الله بعيدة عن الجائع، قريبة من الشبعان، والشبع يميت القلب).

 ويجعل الله سبحانه وتعالى من محاسن الأخلاق إطعام الطعام، فيقول سبحانه : “وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُورًا” [الإِنسان :8-9]، فإطعام الطعام الطيب الحبيب إلى النفس – ولابد أن يكون بهذه الصفة- من صفات الذين يحبهم الله، بل جعل الإطعام طريقا لتكفير الذنوب واشتراط أن يكون من أحسن الطعام وأعلاه، قال تعالى في كفارة اليمين : “فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ” [المائدة :89]، وأوسط معناها أعلى، كما في قوله تعالى : “وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا” [البقرة :143]، بل لابد من أن يكون حلالا له مذاق هو من أحسن ما يطعم الإنسان به أهله.  

وهكذا رأينا زمننا الجميل يهتم الناس بحسن الطعام وإعداده والجلوس له، وعدم الإسراف فيه، وعدم الاستهانة بشأنه، حتى جعلوا الاستهانة بالطعام كفرا بنعمة الله على الإنسان، ورأيناهم يتفننون في ذلك حتى مع بساطة الطعام. وسن لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آداب الطعام فقال: « يا غلام، سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك » وقال صلى الله عليه وآله وسلم ( من أكل طعاما، فقال الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير مني ولا قوة، غفر له ما تقدم من ذنبه).

وقد حث الشرع على التؤدة والتمهل في الأكل، وعدم العجلة والإسراع فيه، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم : « المؤمن يأكل في معٍ واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء » وقال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: « طعام الاثنين كافي الثلاثة، وطعام الثلاثة كافي الأربعة ». 

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان