صلاح حسن السيلاوي
الحسين الذي عبّد الحياة الإسلامية بطرق الأفكار والأخلاق والمواقف الكبيرة، ظل يتنامى في الفكر والمخيلة الإنسانية حتى اتسعت به فضاءات الخيال الفني واستثمرت قضيته الكتابة الأدبية فبدا على الحراك الثقافي، استثماره للطاقة الهائلة التي تحملها هذه القضية التي تشع في ذاكرة التاريخ. هل استطاع الأديب العراقي التوغل عميقا في جوهر القضية الحسينية واستخلاص الأفكار التي يمكنه من خلالها صناعة منتج إبداعي، ورفد الذات الإنسانية بخلاصات ثقافية قادرة على ترصين حقائق هذه القضية في مكنونات إبداعية عابرة للطوائف والعرقيات باتجاه الذات الإنسانية المحبة للحياة؟
ما مدى اسثمار الفنان العراقي التشكيلي وغيره للرمز الحسيني؟ هل عبّر بأدواته عن الألوان الحقيقية لها؟ وما هي الإضافة التي استطاعها الفنان، والمساحة التي أوجدها من خلال فنه عبر تجوله في بساتين الحسين الفكرية والأخلاقية والقيمية؟
نبحث عبر هذا الاستطلاع مع نخبة من مثقفينا عن أجوبة لهذه الأسئلة.
استذكار أكثر منه استثمار
الشاعر مفيد البلداوي، أشار إلى أن أهل الأدب منذ واقعة الطف ولليوم عملوا على اقتباس الحياة من موت الحسين (ع( لافتا إلى ظهور أمور عديدة في الأدب الحديث فيما يخص الانتفاع من القضية الحسينية، أمور كثيرة تكاد تكون جديدة فمنهم من استخدم الحسين رمزا لاستمالة المشاعر ومنهم من استخدمه لضرب خصومه بالتدليل على إلصاق تهمة قتله بمحبيه، وهذا نهج مقيت جدا بدا واضحا في الآونة الأخيرة. وأضاف البلداوي قائلا: سابقا كان الحدث مقتصرا على فئة واحدة من القائمين على الفن والأدب، وأخص هنا الفن الكتابي سواء كان شعريا أو مسرحيا. والأغرب من هذا أن يستثمر الجاهلون القضية الكبرى التي أحدثت انعطافا في مسيرة البشرية بإسقاطات غريبة وساذجة كأن تكون قضية حب ككربلاء ومحب كالحسين. اللافت كما قلت هو الاستثمار السلبي للبعض لواقعة الطف لأغراض لا تخلو من سوء النية كما أرى. أما السائد فهو على الوتيرة القديمة استذكار أكثر منه استثمار وأحيانا بلا جديد إطلاقا وأرى أن من يحاول أن يكتب شيئا عن قضية الحسين لا بد أن يكون قادرا عليها ،كما فعل الجواهري مثلا، أو كما وصلتنا قصائد العلامة الحلي .
الحسين في الفن التشكيلي
الفنان التشكيلي الدكتور شوقي الموسوي رأى أن استثمار قضية الإمام الحسين(ع) في التشكيل العراقي المعاصر واردة ابتداء من الفنان الكبير جواد سليم والفنانين كاظم حيدر و شاكر حسن آل سعيد مروراً بالجيل السبعيني والثمانيني ووصولاً إلى الجيل التسعيني الذي استفاق على هذه القضية الإنسانية بحدود فكرة الشهيد والشهادة وملحمة انتصار الدم على السيف… ولفت الموسوي برأيه إلى أن الإمام الحسين (ع) قبل أن يكون رمزاً للأباء والحق مثل ما كان أبيه سيد الحق الإمام علي بن أبي طالب (ع) أجده سيد الصبر لأنه سيد الشهداء.. وهو السلام على القلوب المؤمنة، بل هو رمز للحياة وصوت حر للحق علمنا الآباء.مبينا ان قضية الامام الحسين (ع) تحوي الكثير من الأبعاد الروحية والروحانية الإيمانية والمرموزات القيمية ذات الطابع الإنساني الممتلئ بالسلام، وأعتقد أن الفنان العراقي تناولها بأوجه عديدة، ولكن لم يتناول شموليتها في الرمز الإنساني باتجاه مفاهيم الشهادة والعروة الوثقى والشهيد وغيرها من المفاهيم الجوهرية التي استشهد من أجلها الإمام وأولاده وأصحابه.وأضاف الموسوي بقوله: أجد بأن التركيز الفني قد انصب على مفهوم الجسد إلى حد ما، وعلى اعتماد دلالات اللون الاحمر. وهذا جزء صغير مما جاءت به الواقعة ربما لأن الواقعة أكبر منا كبشر وكفنانين، ولكن على الفنان العراقي أن ينقب في الكتب وفي المراجع والمصادر، لكي ينهل من فكر الأئمة (عليهم السلام) لينتج تكوينات تحتفل بالفكر، وليس فقط بالصورة من أجل أن تقدم أعمالهم ثقافة ولغة فكرية عالية تقتربان إلى حد ما من قبس من ربيع الشهادة. يحتاج الفنان العراقي اليوم إلى التعرف على الأفكار الجوهرية للواقعة، وليس فقط قصة الواقعة بعيدا عن تناولها – من وجهة نظري المتواضعة- بأسلوب واقعي، بل يتجه نحو الأساليب الأكثر شمولية والأكثر احتواء للواقعة، وعلى وجه الخصوص الأسلوب التعبيري والتعبيرية التجريدية وربما الرمزية لكي تتم قراءتها من جميع أمكنتها وأزمنتها.. بصراحة لدي معرض شخصي قريب جدا عن ملحمة الشهيد عن الإمام الحسين (ع) في بغداد سيعرض ماقبل الأربعينية وربما سيتم نقله إلى مدينتي المقدسة كربلاء تحوي عنواناً ومضموناً حسينيين يفسر ما قلته لكم قبل قليل في سطور.
كنت أتمنى أن أنشىء متحفاً لهذه الواقعة، ولكن ربما يحتاج إلى وقت طويل.. ابتدأته في إشرافي على مهرجان كبير أقمته مع بعض الأصدقاء في كربلاء بين الحرمين العام 2006 تقريبا تحت عنوان (من وحي ذاكرة الطف) نجح المعرض، ولكن لم ينجح التوثيق.. ولم يهتم به الآخرون في توسيع هذا المهرجان وإقامته سنوياً.
الحسين… رمزا للرفض
الشاعر نوفل الحمداني رأى أن الحسين عليه السلام ظل رمزا للرفض وثورة للمحرومين، فكل مثقف كان يشير إلى رفض الظلم لابدّ وحلّق بجناحي الحسين (ع) مبينا أن الكثير من الشعراء والأدباء استخدموا هذا الرمز للدلالة على الرفض.
وعن رأيه بمدى أهمية الإضافة التي جاء بها استثمار الرمز الحسيني في الأدب والفن العراقي، والمساحة الإبداعية التي وسعها بين أشكاله، قال الحمداني: المساحة التي أوجدها الراحل محمد علي الخفاجي في مسرحياته كانت مؤثرة في الشعر المسرحي العراقي والعربي حيث استخدامه الواعي لهذا الرمز ما أضاف الكثير والكثير من القوة لنصوصه. والكثير من شعرائنا المعاصرين الذين سبقوا هذه الفترة كانوا يرتكزون على هذا الرمز في قصائدهم، والمتتبع لقصيدة الجواهري يرى فيها تجلي الإمام الحسين في الدعوة لرفض كل أنواع الظلم التي مر بها العراق في تلك الفترات.









