إلى صديقي نشأت عبد الكريم علي حنون العقابي
هذي الكأسُ خذها يا صاحبي
سوف تأتيكَ أصفى من الفضّةِ
امزجها بالحبِّ حتى ترسمَ لنا البهجةَ طافحةً،
ارفعها عالياً لتصعدَ إلى الجمجمة،
هكذا نحن عندما نتشظّى في الطقوسِ
نجمعُ أشرعتَنا للريحِ ونرسو عند مدخلِ الحانةِ
فقد جُبلنا على الزعفرانِ الذي علّقنا عليه الهموم،
توشكُ الملائكةُ أن تغطّينا بأجنحةٍ من الذهب،
ترتدي لنا من الشعاعِ أبهى ما يكون
فإنَّ شرابَ الملائكةِ غيرُ مباحٍ
إلّا للذينَ آمنوا بالعشقِ بعد اكتمال المواسم،
لذلك زيّنا لها المكانَ،
صرنا نتوسّلُ معارجَ الشغفِ في صفحةٍ من البلور،
فمَن يشفعُ لنا إذا ما فقدنا الرغبةَ في الموازين؟
فكلانا يشاغبُ الليلَ في صولتهِ ويتوغّلُ في العناد،
لم تكنْ خطيئةُ آدمَ الذي التقطَ الفاكهةََ بذلك الفرح،
إنّما هي نخوةُ القلبِ تدعونا دائماً إلى الجهةِ الأخرى من الضفاف،
فإذا قاربنا على الكشفِ عمّا تبقّى من الحسابِ
نكونُ قد تورّطنا بالنشوةِ حدَّ الذوبانِ
نستنفرُ سهرتَنا بكلِّ ما فيها من الوهجِ بهذا الشجن،
فلم يبقَ لنا غيرُ جرعةٍ أجمل ما في الكحول،
كلّما سكبناها لكي نخفيَ ترياقَ الغوايةِ في العشقِ
تجرفُنا موجةُ من المناجاةِ حتى نكونَ شهوداً على هذا العبور،
ننسى العواقبَ كلّما نظفرُ بالقليلِ من الرغبات،
خذني إذاً لمراياكَ لأرقبَ الآتي من الوهم،
فقد كنتَ خيرَ جليسٍ يحاصرني بسقايتهِ
كنتَ في ذروةِ السخاءِ تدعوني لرشفةٍ من النبعِ
نقيضَ الكائنِ المتبرّمِ من الرقصِ على الدفوف،
تسألني إن تأخّرتُ يوماً عن النمنماتِ
ما الذي يبقيكَ في مثقالٍ من الأسى
سوى الكهولةِ التي ما عادتْ تسندُكَ مثل هياكلِ الجسر،
فكم نزفتْ أحلامُكَ في لحظةٍ من الغرق؟
لذلك كنتُ أدعوكَ لساعةٍ نصطادُ فيها الفرحَ الباذخَ
نستعيدُ الرعشةَ من سيرةِ الأيامِ المحشوّةِ في تجاويفٍ من الذاكرة،
نشذّبُ الروحَ من الأدرانِ التي لطّختْ فينا البراءةَ،
فها أنتَ تعيدني إلى الإنصاتِ لموسيقى السنواتِ العابرة،
إذاً فسوف أعبّئُ الكأسَ مرّةً أخرى
قبل أن تنفلقَ فينا صناديقُ الرجوعِ لذلك الماضي،
فيا أيّها الساقي دعْنا نديرُ الكؤوسَ حيثما ترتجفُ اليدين،
أُترُكْ ليلَنا يغلي بتاريخٍ من الحرائق،
أشهدُ أنّكَ قد اشعلتَ فينا الحنينَ
أعرفُ تلكَ المنافذَ التي نحتمي بها من العطش،
أعرفُ هذا الكمالَ الذي مالَ علينا مع النواويس،
فقد حملتُ جرّتي قبل أن يوهمنا الزمرّدُ في اللمعان،
نذرتُ باسمكَ ما تبقّى من النذورِ نكايةً بآخرِ الأسماء،
فلا تحدّثني عن الأصحابِ الذين غادروا الحانةَ مبكراً،
دعْنا بهذا العروجِ يا صاحبي وليأتِ بعده الطوفانُ،
قلتُ لنبدأ وأنتَ تحرّضني على الضحكِ باخرِ سكرةٍ
فتراني مرتبكاً أمام هذا البهاءِ المشدودِ الى الهداية،
كنتَ تطالبني بالغوصِ في زوايا البلادِ وسط هذا السكون،
هكذا رأيتكَ عندما استوقَفتَني على بابِ الجمعةِ أوّل مرّة،
ثم أخذتني بيدِكَ صوبَ تلك المتاهاتِ،
عندها أيقنتُ أنَّ الأنفاسَ استفاقتْ على القلق،
هكذا دعوتني إلى السفرِ بعيداً إلى أقصى الملذّاتِ
فلم يبقَ إلّا وشلٌ يلهمُ الفكرةَ على الورق.









