ثقافة شعبية

التشكلات العجائبية في مجموعة “مقبرة الغراب” للقاص محمد الكاظم

د. خالد حوير الشمس

ثمة غاية فلسفية وفكرية وراء مفهوم العجائبي في النص الأدبي، ووراء توظيفه في فهم العقل الإنساني. وبعيدا عن المضمر في الغايات، أقرت النقدية الأدبية السمو الأدبي وتحقيق “الأدبية” في النصوص التي تكتب بطريقة عجائبية؛ لذا أرى أن العجائبي ساق من سيقان تحقيق القصد الأدبي، السردي منه تحديدا.

وقد اختلف كثيرا في مدلول العجائبي، من جهة الإحاطة بماهيته، ومن جهة النظر إليه كتقنية سردية. فقد أدخله بعض النقاد في بوتقة الخيال الخارق لحدود المعقول والواقعي، ورأى بعضهم أنه مجرد تقنية سردية مضافة إلى التقنيات الأخرى. ويدخل هذا الخرق السردي في المفاهيم عبر اللغة بنمطين: مرة على وجه التملح والحضور الذي يلمع السرد، ومرة على وجه العموم، فيقال عن الأدب الذي يتغلف بالعجائبية: الأدب العجائبي، الذي يفترق عن العجيب الدال على المدهش والتعجب، بل يدل على الخيالي وغير المألوف.

لم تتفق النقدية العربية وغيرها على مصطلح واحد له، فيقال له: الغرائبي، والفنتازي، والاستيهامي، والسحري، وغير ذلك، مما يدل على أنه مفهوم يأخذ قيمته من الخارج عن النسق والبعيد عن الواقعي، بحثا عن بلاغة النص وسحريته. فقيل عن الحكاية العجيبة: “سرد قصصي يروي أحداثا ووقائع حافلة بالمبالغة، يصعب تصديقها”. ويقول الدكتور كمال أبو ديب في توصيفه للنص العجائبي: إنه “يجمع الخيال الخلاق مخترقا حدود المعقول والمنطقي والتاريخي والواقعي، ومخضعا كل ما في الوجود، من الطبيعي إلى الماورائي، لقوة واحدة فقط، هي قوة الخيال المبدع المبتكر الذي يجوب الوجود بإحساس مطلق بالحرية المطلقة. يعجن العالم كما يشاء، ويصوغ ما يشاء غير خاضع إلا لشهواته ولمتطلباته الخاصة ولما يختار هو أن يرسمه من قوانين وحدود، إنه الخيال جامحا طليقا منتهكا”.

العجائبي سمة من السمات المشتركة في العديد من نصوص القاص العراقي محمد الكاظم، وهذا ما يدفعنا إلى تتبع هذا الجانب مع التركيز على مجموعته “مقبرة الغراب” الصادرة عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب.

التعريف بمجموعة مقبرة الغراب

العنوان الكامل لكتاب محمد الكاظم هو: “مقبرة الغراب.. مشروع معماري للآخرة”، وهو مجموعة نصوص إبداعية تنتمي إلى نوع القصة القصيرة، وعددها ثلاث عشرة قصة، منها قصة “مقبرة الغراب.. مشروع معماري للآخرة” التي جاءت عنوانا للمجموعة أيضا. وتمتاز أغلب تلك القصص بالطابع الرمزي، إذ يحكي معظمها الواقع العراقي، فجاء زمنها حقبة الثمانينيات والتسعينيات وما بعد عام 2003.

جعل القاص لونا مختلفا لكل قصة، فاستعمل تقنية الرسائل النصية في قصة “الرجل”، كما وظف الأرقام والرياضيات في القصة نفسها التي يحاول بطلها إحصاء عدد سكان العالم. ووظف اللغة المحكية (العامية) في قصته “جمهورية حمزة وحارسه الشخصي”، ثم أفاد من الرسوم والأشكال في قصة “مقبرة الغراب”، فجاءت تلك التقنيات ميزات لسرده وأشكالا مساعدة ومساندة للنص، فقد رسم 32 مربعا صغيرا تمثل قبور المقبرة التي يتحدث عنها بوصفها العنصر المهيمن في قصته، بغية تحقيق التأويل السردي عند المتلقي.

اقتربت أغلب قصصه من المتوالية القصصية، وهذا ما وجدته في موضعين؛ الموضع الأول قصة “جمهورية حمزة وحارسه الشخصي” المتسقة مع قصة “هكذا نعيش في فندق العائلة”، ثم جاء الموضع الثاني في قصته الأخيرة “وطن القشامر” التي تتسق مع القصص الاثنتي عشرة السابقة، بوصفها القصة الجامعة أو القصة الإطار، التي جاءت في آخر المجموعة لتلخص القصص السابقة، فأعادت أحداث القصص السابقة وأسماء شخصياتها. فكانت مرآة لبقية النصوص، ليلج ما يسمى بالخاتمة الانعكاسية، حين تجعل قراءة القصص تجري من زاوية أخرى جديدة تدور في فلك القصص السابقة التي ناقشت هدر كرامة الإنسان العربي والعراقي وغياب العدالة الاجتماعية بفعل طغيان السلطة، فجاء عنوانها متسقا مع ما سبقه ليحقق الوحدة العضوية الكاملة.

يعتمد الكاتب في خاتمة كل قصة على النهاية الصادمة أو المفاجأة الدرامية أو النهاية المفاجئة، بأن يأتي بعكس ما يتوقعه المتلقي، لتحقيق الدهشة، وهذا ما ورد في أغلب قصصه.

عناصر العجائبي في مقبرة الغراب

وأريد بها العناصر السردية التي تتمحور حول غير المألوف (العجائبي). فقد ورد في هذه المجموعة ما يشكل حدثا عجائبيا في ظاهره، لكنه يشكل مفارقة وتوظيفا ساخرا. فشخصية سالم فندي كلش الواردة في قصة “مقبرة الغراب” تشكل نموذجا عجائبيا، لأن القصة عبارة عن بحث مستمر عنه في المقبرة المكونة من 32 قبرا. وفي تلك القصة وظف القاص الفعل المضارع وسلمه زمام الحدث: “فقد كنت أقضي فترة الصباح يوميا -عدا يوم الثلاثاء- في مقبرة آل فضل، استعدادا لزيارة محتملة تقوم بها أم سالم… فيما أقضي فترة المساء ويوم الثلاثاء بأكمله في مقبرة سامي الغراب، لعل أمي الحقيقية تستدل علي، وأحيانا أزور ساحة الفردوس”.

فتم تجاوز حدود المعقول في التعبير نحو المدهش، ونسبة الحياة إلى الميت، فجعل الراوي ميتا، لكنه يتكلم ويتحرك ويحدد المقابر مكانا له، ويهتم بهويته التي يبحث عنها أهله، ويساير الانتماء الأنثروبولوجي لطقوس الموت.

امتزج عنصر الحدث العجائبي بالمكان العجائبي، وأخذ الكاتب يروي لنا عن نوع عجائبي مكاني يتمثل بالقرية، ويتحدث عن كيفية تشكلها بطريقة خارقة للعادة وغير قابلة للتصديق، إذ روى بعض الأساطير التي تتناول بداية خلق الإنسان العراقي، معبرا عن العراق بـ”البلاد الكائنة على جانبي نهر الفرات”، ونسب بداية الخلق إلى “الصناع السمر الأوائل” الذين صنعوا لنا ذلك المكان العجائبي، وهو القرية، بوصفها الموئل الأول للإنسان العراقي: “ثم قرر الصناع الأوائل أن يبدأوا بخلق أول قرية، أمسكوا بدجاجة بياضة من مؤونتهم، ونتفوا ريشها، ثم نثروه على جزيرة نبتت وسط الماء، وسرعان ما تحول الريش إلى أكواخ سكنها بشر نشيطون مرحون، اكتشفوا الصيد والقمح والحروف وحلوى الدهين ورز العنبر والقصص الليلية”.

في هذه المجموعة القصصية يتجلى عنصر الشخصية بصفتها العجائبية في عدد من مواضع الفعل السردي الحزين والمؤلم في الخطاب السردي عند محمد الكاظم، ولا سيما في قصة “الرجل” وحديثه عن طريقة تكوين هذا الكائن الغريب: “لقد ظهر الرجل كحالات فردية مهترئة الثياب، شاحبة الوجه، راعشة الشفاه، ثم تحول الأمر إلى وباء يجتاح المدن الكبرى. كائنات الرجل لا يمكن وصفها، فهي لا تشبه أي شيء نعرفه كبشر… كان الرجل كائنا دميما قويا وعنيفا رغم نظرة الانكسار البادية على وجهه، لكنه كان مستعدا لالتهام أي شيء يقف أمامه”.

ويحدد الكاتب هوية ذلك الكائن، فهو “يحب أحياء الصفيح والمساكن الشعبية ولا يقترب من سكانها”، كما يحدد كيفية نشوئه: “ويعتقد بعضهم أن الرجل طفرة وراثية غير محسوبة”. فجاءت شخصية الرجل، التي ترمز إلى الفقر، ذلك الطاعون الاجتماعي الذي يتخذ شكلا بشريا في تلك القصة، شخصية عجائبية هلامية سائلة في زمن سردي يناقش فيه الكاتب الآفات الاجتماعية كالفقر والطائفية والقتل على الهوية، فصنع لنا شخصية عجائبية بطريقة خيالية مدهشة، فيها إدانة واضحة للاستبداد والفساد والتفاوت الطبقي والدكتاتورية بكل أشكالها وأزمنتها.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان