أيمن رفعت
يقوم كتاب “رموز الوشم الشعبي.. دراسة مقارنة” على دراسة وحدات الوشم عند بدو محافظة الشرقية، وعلاقتها برسوم الأطفال في المرحلة الابتدائية بمدارس التعليم العام.
ولما كانت عادة الوشم هذه ليست قاصرة على محافظة الشرقية فحسب، وإنما لها خلفيات ترجع إلى العصور الفرعونية القديمة، بل ترجع في سعة انتشارها إلى شعوب وحضارات متباعدة من حيث مواقعها الجغرافية، كان لزاماً قبل الإشارة لما مضى، أن نمعن النظر في تلك الخلفيات التاريخية والتي ارتبطت بعادات وتقاليد وطقوس دينية عمت شعوب بأسرها.
وفي البداية يتحدث مؤلف الكتاب حسيني علي محمد عن الوشم في الحضارة المصرية القديمة، قائلاً: الأمثلة التي أوردها برتولون في دراسة للوشم في آثاره لاسيما بعض التمائم المتخذة شكل العرائس التجارية، والتي رسمت عليها وحدات حيوانية أو بناتية أو وحدات مجردة من وحدات الوشم تلك المقارنة والتي أوردتها برتولون، إنما نجد لها تعليقاً آخر، ورد على لسان المؤلف كايمر في كتابه المسمى “ملاحظات على الوشم في الحضارة المصرية القديمة”، وفيه يحاول هذا المؤلف استنباط جذور الوشم في مصر ما بين عهود ما قبل الأسرات الفرعونية وفي الوشم الشعبي حالياً.
ويشير إلى الوشم في الحضارات الأميركية القديمة، لاسيما حضارات “الأزتك” و”المايا” فنقرأ في أحد المراجع ما يذكرنا بطريقة دق الوشم في جزيرة بورينو باستخدام القوالب الخشبية، ونقرأ عن الحضارات الأميركية القديمة أيضاً: إن بعض القبائل والحضارات القديمة كحضارة المايا والأزتك حاول تحويل أشكال الوشم على أختام خزفية، كانت تضغط على الجلد البشري في الموضع المراد دق الوشم عليه، وهناك بعض الأجناس الأخرى والقبائل ممن اكتشفوا وسيلة أخرى لتحديد وضبط أشكال الوشم بغير طريقة الأختام الخزفية حيث صنعوا بصمات خشبية كالأختام البابلية الأسطوانية الشكل وذلك لتضغط على مواضع البشرة لتحديد أشكال الوشم عليها.
يعرض المؤلف في هذا الباب جانباً من الوحدات المنتشرة في الوشم والتي تصور مناظر فاضحة أو مفرطة في الإباحة والانغماس في الشهوات، فمن مظاهر الانغماس في الشهوات وصور الراقصات التي كانت من بين سمات الوشم الحديث في مصر، وانتشار المكيفات بينهن في تدخين الجوزة، فإن هذه السمة تعتبر من ناحية مرتبطة بالوشم الذي كان يدق في الأزمنة الفرعونية وغيرها على أجسام راقصات المعابد وخادمات المعابد اللاتي كن يفدين أنفسهن وفقاً للديانات القديمة في سيبل آلهة تلك المعابد، فيعرضن أجسادهن للنيل من زوار هذه المعابد.
ويذكر المؤلف: كانت وحدات الوشم في الريف قائمة على وحدات محدودة، أو أشكال هندسية، وهناك بعض الآراء التي وردت على لسان الرحالة القدامى لمصر منذ القرن السادس عشر حتى وقتنا الحاضر وذلك لنتبيّن كيف أن الوحدات الهندسية كانت هي السائدة بين وحدات الوشم، وليست الوحدات المصورة التي استحدثت عن مطلع القرن العشرين في مصر.
وفقاً لما جاء دراسة للمؤلف كايمر عن الوشم في مصر، الذي يستهل هذه الدراسة بالرحالة كارليبه دي بونون عام 1579، الذي يقول عن أهالي مصر “إن النسوة الشعبيات تدق الوشم على مواضع من وجهها وأجزاء أخرى من جسمها بإبرة توخذ بها بشرتها”، ويضيف: إلى حد الإبرة عصارة بعض الأعشاب النباتية، حتى يستحيل بعد ذلك إزالة أثر وخز هذه الإبرة وتلوينها للبشرة”.
ويقول وايلد الذي زار مصر عام 1604 وعام 1611 “إن نساء مصر اعتدن على دق الوشم حول فتحة الفم والشفاه، حيث تدق الواحدة منهن الوشم في صورة نقط زرقاء مستخدمة في ذلك اللون الأزرق، ونسوة حمامات السوق تدق الواحدة منهن الوشم على صدرها لغرض التبرج والزينة، أما بالنسبة للأقباط فجرت العادة أن يدقوا وحدات على مشكل الصلبان التي تدق في باطن معاصمهم وهذه العادة نراها دارجة أيضاً عن الأحباش المسيحيين في الحبشة”.
ويعرض المؤلف بعض ما كتب عن الوشم عند نزلاء السجون، فيقول الطبيب كاليويني في دراسة له نشرت عام 1923، يعرض فيها الوشم عند نزلاء سجون مصر، فيقول: إن المساجين من المجرمين والمجرمات في مصر كانوا يتخذون من الوشم وسيلة لإظهار جوانب من شخصيتهم، فالرجال يستخدمون رموز الوشم للتعبير عن جوانب القوة والبطولة وربما القسوة، وأهم الرموز التي استخدمتها النساء من نزيلات السجون، أشكال الرجال، أشكال الأسماك وأشكال الأيدي المتصافحة، وأشكال الزهور هذا إلى جانب أشكال الخطوط الهندسية وأشكال (النقاط المتراصة)، كما كن يستخدمن أحياناً من أسماء بعض النسوة وشماً يحلين به بعض أجزاء من أجسامهن.
يعرض المؤلف نتائج استطلاع ميداني قام به بأسواق محافظة الشرقية وينتقل بعد هذا الاستطلاع الميداني إلى دراسة وتحليل رمز الوشم المحافظة الشرقية وتقاربها ورموز الوشم في الأماكن الأخرى في مصر، إنما في رموز وشم محافظة الشرقية ما يقترن بأحداث سياسية وقومية علقت في أذهان ووجدان أهالي تللك المحافظة إذ ما من منهم إلا وقطن إلى البطولات القومية التي تحدث أجداده في معارك “التل الكبير” حينما حارب البطل أحمد عرابي بجيوشه الباسلة، الجيوش الإنجليزية في معركة التل الكبير سنة 1882، والتي لولا الغدر لصمدت البطولات المصرية أمام الاحتلال.
ويتناول المؤلف الجوانب الأسطوربة الخيالية في رموز الوشم، ويبدأ حيال هذا التحليل بالحديث عن الجانب الخيالي أو الأسطوري الذي تتضح معالمه في عدد من عناصر رموز الوشم الشعبي.
ومن بين النواحي التي تشتمل عليها المرويات الشعبية التي تتضح في الوشم الحيوانات الخرافية أو الأسطورية كعروس البحر، والتنين في قصة مارجرجس وكذلك أبو الهول.
وأخيراً يقول المؤلف: كانت عادة التخضب بالحناء في المشرق سمات الفرح، فكان التخضب بلون النيلة الزرقاء من علامات الحزن، كدلالة على هول الحزن لفقدان عزيز، حيث كان أهالي المتوفى يتعينون أيضاً بالندابات وهناك مشاهد في المقابر الفرعونية تصور الندابات النائحات وهن مختضبات إما بالتراب أو بالنيلة، تلك المشاهد التي نراها مصورة على جدارن الأشراف بالأقصر.
يذكر أن كتاب “رموز الوشم الشعبي” للكاتب حسيني علي محمد صدر ضمن سلسلة “الثقافة الشعبية” التي تصدرها الهيئة المصرية العامة للكتاب ويقع في نحو 280 صفحة من القطع الكبير.









