ثقافة شعبية

الهوية الوطنية للشعر الشعبي العراقي الحديث … مظفر النواب.. ملحميات مابعد (الريل وحمد)

كاظم غيلان

الحلقة الاولى

أواكح…
جني أيد اتفوج..
مكطوعه أصابعهه
من( حجام البريس)(1)
ماتحدثت به في القسم الأول من هذه الدراسة استعنت بالعديد من النماذج الشعرية لمظفر النواب والتي لن تتجاوز مجموعته الشعرية الأول(للريل وحمد) التي كانت بمثابة الفتح الأول لبوابة التجديد التي منحت القصيدة الشعبية العراقية مساراٌ جديداٌ مواكباٌ لحركة التجديد في الشعر العربي.
في هذا القسم سأتناول ما أهمله النقد لما أنجزه النواب من قصائد ذات منحى ملحمي جّسد تجربة عامرة بالثورة والاحتجاج بدأت شراراتها الأولى في منتصف ستينيات القرن الماضي الا وهي تجربة(الكفاح المسلح) التي خاض غمارها كوسيلة تبنت الخلاص من حكومة انقلاب 8 شباط الأسود1963 والتي جاءت متزامنة مع استجابات أملتها ظروف عالمية متمثلة بهبّات ثورية لربما كان ( أرنستو تشي جيفارا) رمزها وقدوتها في التخطيط والقيادة، مما دفع بحركات شبابية عديدة للأندفاع صوبها كضفة للتغيير ، الا أن النقد في تقاعسه وفشله الذريع في تناول هذه التجربة الثرية وعلى مستوى سائر الفنون والأداب بشكل عام والنواب بشكل خاص جاء لأعتبارات عديدة لعل في مقدمتها المحظورات الأيديولوجية التي لاتنسجم- وحسب- بل تتعارض حد العداء أزاء التوجه الجديد في حركة اليسار العراقي بوصفه(انشاقاً) ، والأدهى من ذلك كله أن الحيف الذي لحق بدراسة النواب نقدا حتى على المستوى الأكاديمي امتد ليومنا هذا ، اذ يحضر تناول قصائده المكتوبة بالعامية عملاُ بما تمليه أحكام قانون الحفاظ- أو سلامة- اللغة العربية الذي بادر لتشريعه ثلة من (القومانجيين) وبقي مفعوله سارياً للحظة هذه وأعني حتى بعد متغير نيسان 2003 اذا ماعرفنا بأن أول دراسة ماجستيّر في تجربة النواب قامت الأكاديمية بتطبيق ضوابط ذلك القانون القسري مع ان طالبها حاز على شهادته بتقدير جيد جداُ وهو(أحسان العجلان) في جامعة ذي قارقبل ثلاث أعوام(2)، في حين أن ذلك لن يحصل في أكاديميات البلدان العربية والعالمية التي تعتز برموزها الأبداعية.
لقد تناولت هذا الموضوع في دراسة سابقة نشرتها لي مجلة(الثقافة) (3) التي كان يرأس تحريرها الشخصية الثقافية التقدمية الراحل د. صلاح خالص في العام 1975 مع انها لم تكن بالمستوى النقدي المطلوب بقدر ماكانت محاولة لفك الحصار الأعلامي عن النواب الذي افرض طوقه مناخ التحالف الوطني أو مايسمى بـ(الجبهة الوطنية) وقتذاك ويعود الفضل الأول في نشرها للمساعي التي بذلها الصديق الروائي العراقي الراحل مهدي علي الراضي الذي أقدم على الانتحار في ظروف غامضة بدمشق قبيل أعوام قليلة بحكم علاقته الوطيدة بالدكتور صلاح خالص الذير كان يكن وافر الحب للنواب الى جانب الدكتور علي الشوك منذ نشره قصيدة(الريل وحمد) بمجلة- المثقف- التي كان يرأس تحريرها الأخير عام1959.
وأعود الى حيث ما بدأت كتابتي هذه وأعني قصيدة(حجام البريس) :
أواكح جني أيد اتفوج ومكطوعه اصابعهه
أشوغ اويه الشمس ليفوك
أعاتب كاع مدفون بنباعي الماي بيديهه
أتحفر بيه مساحيهه
………..
اكل للروح تنسيهم
تدنج رآسهه وتسكت
كل روح ومراضعهه، كل أيد وأصابعهه
بيد ان بطل القصيدة (حجام) قام بيد خالية من الأصابع التي هي الفاعل الأساسي لحمل البندقية، ففي هذه الرؤية أو بالأحرى(اللوحة التشكيلية) يمنح مظفر لبطله المواصفات الأسطورية التي غالباً مانجدها في أدب الملاحم والتي لايمكن لنا تصورها أو نعثر عليها من قبل في مجال القصيدة الشعبية العراقية ، وحين أصفها بـ(الملحمية) فذلك يأتي تبعاً لتوافر اشتراطات العمل – القصيدة الملحمية ولعل من أبرزها تعدد وتشابك الأصوات:
أكلج جني أسمع ليل
يم عشره وزمر زركه.. يصح ردوا؟
………..
( قصتنه بعدهه بأول القصه وراهه أكرون وشياطين، قصتنه أعله حجام الشهم بالهور يمشي الراك)
يبن الحره مايستاحش التفاك
حط عينك ولاتغفل
غفل كبلك حزب وانباك
ثم ينتقل سردياً:
(.. واسعيده خذوهه اميسره لسجن الرفاعي، المفارز طوكت بالليل اخوهه وجانوا الحوشيه والشرطه ألف والحره ماخافت بعد سنه اتعرس):
صاحت.. ياجبير الهور ياحجام
آنه أختك
– ولج سعده
يسعده اشجابج الموتي؟
وشبكهه وعاتباهه
وريح التفكه اعله صدره
ولنه صاح الصوت بكرينوف
: ريحه زفره.. ريحة شرطه ياحجام
دك الشوف
-لايرتاع كلبج.. آنه عد عيناج
: ياويلاه يبن أمي.. عداك الموت ، يا واكف وكح طرك الجلد والطين
– سعده
وغمض عينه اعله صبر اسنين
هنا يلعب خيال الشاعر دوره في عنصر الدهشة ، فالبطل أطل في بداية القصيدة- الملحمة مقاتلاُ و(بيد اتفوج مكطوعه أصابعهه) ومن ثم يستشهد محتضناً بندقيته ، فالبداية كانت تحمل مبرراتها في المقدمة التي وضعها مظفر:
((كان.. ليكن.. فقد حمل الأسم اللائق به كأنسان حتى النهاية، انهم يوزعون منشورات وردية عن الجريمة .. انكم شركاء أصيلون في قتل حجام البريس وبهذا تمت ادانتكم): والتي يلخص ثيمتها الشعرية:
والتاف وزحف حدر الكصب والطين
ريحة خاين امعودين
ريحة خاين ابعرك الحزب مدفون من اسنين

الهوامش

(1) حجام البريس: المجموعة الشعرية المكتوبة بالعامية الى جانب(للريل وحمد) فقط، وفي الفصحى له(وتريات ليلية ) و(المساورة أمام الباب الثاني) وعدا ذلك كله تم بدون علمه واستئذانه – من حوار الكاتب مع النواب- جريدة الصباح 19/5/2011.
(2) احسان العجلان- دراسة ماجستير عن تجربة الشاعر مظفر النواب – جامعة ذي قار
(3) مظفر لنواب مابعد الريل وحمد- دراسة لكاتب المقال- مجلة الثقافة – آب 1975.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان