ثقافة شعبية

مظفر النواب.. ملحميات مابعد (الريل وحمد)

كاظم غيلان

 

الحلقة الاخيرة

من يقرأ قصائد النواب يتأكد بأنه شاعر ثائر بعيد عن استعارة الآخر أو الأنابة عنه، لأنه ينبثق من داخل التجربة وليس بالمتفرج الذي يروي لنا مشهداً، وهذا مايشير له(ريتشاردز) :- الشاعر سيد الكلام لأنه سيد التجربة-(4).
وبقدر ما وجدنا سعده- الأخت ضمن منولوج هذه القصيدة نجد الأم في قصيدة أخرى الا وهي(حسن الشموس):
أطرن هورهه أمصكك وأصيحهن عليك أجروح
يجحلن جالمطبجات الزرك صلهن يشوغ الروح
واجيك اشراع وماهو اشراع
عريانه سفينة نوح
………..
هوره وكل كصبهه ايخرخش ابموتك
وروحي اويه الجبايش جنهه تتكلكل
جباشه امفلشه ايذبني عليك الزود
أعطل الزود.. وعيب أعطل
يمن جبت الحزب لبيتنه امعكل
******
……. وأخافني وكف الهور اعله حيله وتنسج الموزر
عله ابني الزين المعزب
ويستمر خطاب الأم بشعور من الأحباط والخيبة والانكسار:
مامش خوي
وما مش للرمل من ساس
مذلوله بزوية البيت
لازمر اليكعد الروح ، ولا دلال التشيل الرآس
جاوين المعكل واليعؤف الخبزه بالنوماس
وين الي تكص الرآس صيحاته
ويحني الجف المفطر
بيد ان هذا الانكسار سرعان ما يتلاشى بصيحة أقوى ، مليئة بالاستنهاض والتفاؤل:
يحزب احسين بس منك علامه انسج عليهم سج
ندجهه النوب بالدم دج
يلن حك الذي ينلاج ويتسولف عليه اهواي يتعلج!
…… وها طرت الفجر لنهه بيان أول ومطر اللوز وصيحة حك
أسئلة مأخوذة بالأسى والأندفاع الذي يورم القلب ويغرس به خناجر اللؤم والمرارة في آن واحد.
أن ولع مظفر بالاهوار يبدأ من اكتشافاته الأولى لتجربته الشعرية التي لخصها في سفرات متباعدة ومن ثم الخوض في تجربة الكفاح المسلح وبهذا الصدد يقول: ( الأهوار هو الموضوع الذي ساعد تفتح كل هذه الأشياء في داخلي، فالهور ليس مجرد مكان انما هو زمن وروح أيضاً، كما أن الكتابة في الشعر الشعبي العراقي هي قاصرة اذا لم تكن بفهم روح الهور).. ويمضي حسب ما يورده الصديق الشاعر والكاتب العراقي د.حسين الهنداوي:( ان فهم ثقافة الماء يجعل المرء أكثر قدرة على فهم ثقافة الصحراء، ولايجعله يشعر بالغربة معها، فبفضل فهمي لروح الهور اكتشفت أيضاُ أنني أفهم روح الصحراء) (5).
أما في(أبن ديرتنه حمد) فثمة خلاصة لشمائل وخصائص الثائر ونكران ذاته ضمن ذات منطقة الصراع( السلطة- الثورة):
دعن الربعات كلهن
والحمامات الحمر كالن عبر
حمد المغضب عبر.. مغضب عبر
طفر الغراف بالمهره الحليبيه اللي شوفتهه سفر
بلل اجروحه ومسح بهداي كصة الثار بمية النهر
………
أكرموه الكمر وهلالين وست نجمات
ماراد الكمر
جدموله الليله المرسنه الحوافرهه الثلاث انجوم خضره
وحافر الرابع حمر
ثم تتداخل الأصوات:
خيه ماشفتي (سفن غيلان) ممزوكه شرعهه
ولاعروس لعيبي رد الهه حمد
حظهه وكصايبهه ودمعهه
يأخذ الأسى مثلما يأخذ الابتهاج بالنصر مدياته الأوسع في قصائد النواب الملحمية لما يمتلكه من نفس شعري وفضاء يتسع ليمنح رؤية الشاعر اقصى امكانيات الماورائي برغم المباشرة التي يجد النواب ضرورتها ، لاسيما وانها تحاكي اطراف صراع عديدة كما في قصيدته(حرز):
نسرج طاح مهضوم بشرك بطران
يلطارش تطير بعينك الغربان
أصيح أدخيل يلطارش وأصيح ابذمتك أحوه
يلدنيه ابحليب امج حرز جتلوه
يلدله الحزينه امدللج شالوه
……
بهذا المستوى المأساوي يعتمل ذكاء الشاعر ياستخدام فطنة المنتصر:
كل جرح النخيطه ابسيم مايرضاش جرح انسور
مايفعل ينام الجرح دمه ايفور
وصواني العرس شالن حزن واطيور
وامك ياحرز للشمس عدهه انذور
البناء الملحمي في القصيدة النوابية وضمن الخصائص التي اسلفتها لا أقول انها انتهت، التجربة تلك تعود لستينيات القرن الماضي ، وقد أجابني حين حاورته بهذا الخصوص عن غياب أو تلاشي البناء الملحمي في قصائده الأخيرة بالقول(6):
” ذلك حصل بسبب صعوبة المرض( الباركنسون) الذي يشوش الذهن.. ويؤثر على سرعة الخلق، وقد ىيصيبها بشيء من البطأ، البناء الملحمي يقتضي في كل ارتكازات العمل وتكوينه ، في كل نقطة أن يراقب دائماً ، أن يكون له حضور بكل حدة وقوة كافيتين”.
لربما اكون هنا قد عالجت ذلك الأخفاق الأول في دراسة قصائد النواب الملحمية، مع ان هناك قصائد لشعراء آخرين امتازت هي الأخرى بذات المنحى سأتناولها عن قريب.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان