غيث علي
مع انطلاقات الفجر الاولى تبدأ بائعات (كًيمر العرب) بالانتشار قرب أفران الصمون الحجري في بغداد في حين يذهب صناع (الباقلاء بالدهن الحر) وهم يدفعون عربات نقل بدائية جدا لينتقلوا قرب مناطق تجمع العمال (المسطر كما يحلو للبغداديين تسميته) في حين يفضل الموظفون تناول (شيش تكته او شيشين كباب) على الهواء الطلق قبل دخولهم بدوائرهم في صباح كل يوم..
العراقيون جميعاً وليس البغداديين على وجه الخصوص ذواقون للأكل نتيجةً لثراء مطبخهم وتنوع أكلاتهم، جاء ذلك مع تنوع ملامح حضارة شعوبه منذ زمن العراق القديم مرورا بالآرامية والأسلامية العباسية والعثمانية والى يومنا الحالي، وتشير الدلائل حول عثور الآثاريين على 24 رقعة طينية تحوي على أنواع أكل العراقيين في عهدهم القديم وهي 800 نوع من الأكلات والمشروبات، فمن الخطأ القول بأن المطبخ العراقي هو خليط بين المطبخ التركي والأيراني، فالدولمة وجدت في العهد البابلي وكانت تسمى الملفوف والباسطرما هي حشي المصارين وغيرها من أكلات اللحوم والطيور والأسماك والبقوليات وهكذا، لقد أستفادت منها أيران وتركيا ونقلتها عنهم، فهي أصيلة عراقية ثبتتها أكتشافات الآثاريين حديثاً، وهذ التنوع الثري هو الذي جعل وجبات الأكل في العراق متنوعة في الصباح والظهر والمساء، ومع تعدد انواع الأكلات الشعبية في مختلف أنحاء العراق يبقى هناك تشابه الى حد كبير مايتناوله العراقيون في الصباح مع أختلاف بسيط لطريقة التقديم الناجمة عن أختلاف الواقع الجغرافي والبيئى والتعدد الثقافي.
وجبات الهواء الطلق..
يعرف البغداديون بائعي وبائعات الأكلات المتنقلة والثابتة في الهواء الطلق والتي هي جزء من ثقافة هذه الأكلات العتيقة والعريقة بما كانت تحويه من تنوع مفيد لقدرة جسم الأنسان البشرية ، وكيف كلنا إستطعمنا وتلذذنا بأكلاتهم التي سنذكرها وكيف كانت أبتساماتهم ومساعداتهم لمن كانت نقودهم تعوزعند الشراء ومساعدة الفقراء رغم قلة ربحهم وطالما يسد مصروف حياة عوائلهم، ومن الأكلات الصباحية التي عرفها العراقيون عامة والبغدايون على وجه الخصوص؛
الفشافيش
كانت بداية في منطقة الباب الشرقي وتحديدا قرب النفق حيث تشهد المنطقة حراكا منذ ساعات الفجر الأولى وعندما تبدأ جموع الكسبة بالتوافد على (المسطر) طلبا للقمة العيش وبحثا عن فرص عمل .وقد تعود العمال هنا على تناول وجبات مختلفة من الاطعمة ابرزها ( اللحوم والفشافيش) : فنرى كثيراً من العمال يقدمون عل أكل التكة والفشافيش والكباب لدى بائعيه المتجولين، الذين يتوافدون قبل حضور العمال او الجمهور الذي يتوافد في الباب الشرقي وتحضير وجبات (الفشافيش) المفضلة لدى الكثيرين وذلك لرخص ثمنها قياسيا ببقية الاطعمة وثانيا باعتبار انها نوع من اللحوم قد يوفر طاقة تمكن العامل من العمل فيما لو حصل على فرصع عمل متمثلة بالبناء . وهم يتواجدون منذ الصباح وحتى الضحى بعرباتهم ومنقلتهم والفحم والمهفة التي تحرك نار الفحم في الساحات وبعض من الأزقة في كافة مناطق بغداد وعلى الهواء الطلق. كما انهم يفضلون تناول شيشين تكة أو عدة اشياش من الفشافيش أو شيشين كباب، مع الخضروات والبصل المشوي والطماطة المشوية ورغيف من خبز التنورأو الصمون الحجري.
الكبة
صباح آخر مع الكبة، كثير من البغداديين يتناول في فطورهم الكبة المحشية بالوز واللية ويغمسون الخبز في مرقتها ولهذا كانت تتواجد بعض من البائعات في الأزقة آخذين زاوية منه وقدر الكبة فوق البريمز بأنتظارالكسبة للأفطار، كما أن بعض العوائل ترسل أولادها حاملين الصحون لشراء الكبة، أما الموظفين فتراهم يقصدون مطاعم الكبة المنشرة في بغداد وأشهرها كبة السراي التي تنوال كبتها كبار رجال وسياسي العراق، كما أن البعض يفضل مطاعم الكبة في مناطقهم، ففي منطقة الفضل كبة (عمعم) والكاظمية كبة (ضياء دروش) والأعظمية في الكسرة وفي الساحة المقابلة لجامع أبو حنيفة، وفي الكرادة كبة ( أبو جلال) وفي ساحة الحرية وهكذا..
الباجة والكراعين
ينتشر بائعو الباجة وبائعو الكراعين في بسطاتهم في مناطق الفضل وباب الشيخ والأعظمية والشواكة والرحمانية حيث يتواجد العمال المهرة والحدادين وسائقي الكرينات والأسطوات حيث أنهم يحتاجون الى أكلة دسمة في الصباح لتقوية أجسامهم، لذلك فأن باعة الباچة والكراعين يتواجدون منذ الصباح الباكر وحتى الساعة التاسعة صباحاً، فترى أقبالاً جيداً من المتذوقين لهذه الأكلات، وجدير بالأشارة فأن باجة الكراعين تحوي فقط على الكراعين.
الباجله بالدهن الحر
يتواجد بائعات تشريب الباقلاء في أزقة بغداد وكما يقال في رأس الدربونة ومعهم قدر الباقلاء والخبز منقع (منكع) بالتشريب، فتأتي العوائل حاملة صحونها للشراء،وهناك من يجلس ويأكل الباقلاء عندهم وكما يقال على الأرض، وهناك قسم يذهب الى المطاعم للتلذذ بأكلة الباقلاء وقد ذكرنا ذلك في نفس المقالة التي أشرنا أليها عند التطرق للباجة.
المخلمة والجلفراي وعروك الطاوة
هناك من يرغب بفطور المخلمة والجلفراي وعروك الطاوة وأكثر متذوقيها هم طلبة الكليات والمعلمين حيث بعض من البائعين مع عرباتهم يتواجدون في الساحات وألأماكن المزدحمة في بغداد كالأعظمية وباب المعظم والميدان والعلاوي والباب الشرقي. وكان المطعم المشهور (عنجر) في الفضل مكانا يرتاده الكثير من خارج المنطقة لطيبة وجودة أكله.
الشوربة والهريسة
كثيرً من الجنود وطلبة الكليات والعمال من المحافظات يرغبون بتناول شوربة العدس والهريسة في الشتاء وترى بائعي هذه الأكلات يتواجدون في المناطق المزدحمة والساحات مع عرباتهم منذ الصباح الباكر،وهناك ملتقى التحدث بالسياسة وأبداء النكات وهي لمة حلوة تتكرر كثيرا في الصباح.
القيمر
لا يخلو بيت من بيوتات العراق الا والقيمر على مائدة الأفطاروخصوصاً يوم الجمعة، ويعتبر قيمر الحلة والسدة من أجود أنواع القيمر ويضرب به المثل لطعمه اللذيذ والمميز وهو المصنوع في مدينة بابلية وهم أول من صنع القيمر، تحمل البائعات صواني القيمر على رأسها بطريقة مميزة مع شروق الشمس كل صباح مرددين قيمر..
خبز التنور
ومن البديهي ان الخبز هو سيد المائدة لدى العراقيين، ولرائحة خبز التنور الطيني متعلقة بحواسنا وطعم الخبز اللذيذ في مذاقنا، تشير ملحمة كلكامش بأن أنكيدو أول شيء تعلمه بدلاً من أرضاع الحليب من الحيوانات البرية هو أكل الخبز بناء لصوت سمعه (كل الخبز يا أنكيدو).. ظل خبز التنور يتربع على المائدة العراقية، وكثيراً من البيوت كان عندها تنور طيني لعمل الخبز المستدير والكليچة وشواء الدجاج والسمك.. بأستخدام الحطب، تفننت المرأة العراقية في صناعة الخبزبأنواعه، ففي الأهوار خبز عجينة الرز المعمولة على الصاج. وفي الشمال خبز الرگاك، ويصنع الخبز في الصباح الباكر بشجر التنور من الحطب وكذلك خبز الشعير الطولاني لمرضى السكر الثخين والمعمول من عجينة الشعير وكل له خميرته الخاصة، حيث تقوم بائعات الخبز بالتجول في أزقة ودرابين بغداد وأسوقها لبيعه، وقسم يعمل أيضاً خبز عروك من خلال أضافة اللحم المثروم الدسم مع البصل المثروم والكرفس الى العجينة مع أضافة التوابل، كما أن البعض يعمل أيظاً خبز النذور(خبز العباس)، تطلب بعض العوائل الخبز البائت البارد لتستفاد منه في تشريب الباميا وتشريب اللحم والباگلا، كما أن البعض من البائعات يصنعن المريس حيث بضاف الدهن الى العجينة ويرش عليها السكر، ضربت كثير من الأمثال عن الخبزوأشهرها (بيننا خبز وملح) (خبز باب الأغا حار وكسب ورخيص) ومعروفة ماهو المقصود بهما.









