قراءة : داود سلمان الشويلي
يقول الشاعر علي الجبر :
((ألشجاعه ……
في بلاد تحسب الموت صناعه
ورأت أبخس أنواع البضاعه
ليس أن تصرخ في وجه البشاعه
ألشجاعه ……
أن تصفق عن قناعه .. أو .. من غير قناعه
لأصحاب المقامات الرخيصة والمشاعه
وتصلّي كل ساعه …
تحت أقدام ذوي الذمم المباعه .. ودكاكين الخلاعه
وتؤمن بشعارات الوقيعة والخناعه
وتصدّق بالإشاعه …
عندما يطلقها بوق الإذاعه
فتنال الأجر ….. وتحظى بالشفاعه)).
الشعر واحد ، ان كان مكتوبا بلغة عربية فصيحة ،او كان مكتوبا باحدى لهجاته العامية التي تحكى في منطقة من مناطق عالمنا العربي.
واحد في البحور ، والبناء ، واستخدام التفعيلة، والوزن، رغم كثرة اوزان الشعر العامي من حيث المجزوءات ، (انظر دراستنا : “مدخل لدراسة القصيدة الشعبية الحديثة” المنشورة في مجبة الثقافة ع / 6 – س6 – حزيران 1976 ) ،و الصور الشعرية ، في انهما يلتقطان النادر من الواقع الاني ، و من حيث الايقاع الداخلي ، وواحد من حيث التعامل مع اللغة / اللهجة .
فيما يختلف الشعر المكتوب باللغة الفصحى، عن الشعر المكتوب باللهجة العامية ، في الصورة الشعرية من حيث حيثياتها ، وكيفية تناولها، وكذلك في طريقة التعامل مع اللغة / اللهجة من حيث الانزياح ، والاستخدام المجازي لها ،والتي تقترب من ان تكون من الصعب الممتنع ،وايضا في الايقاع الداخلي للقصيدتين ، اي تختلفان في التفاصيل الدقيقة للامور الشعرية.
من هذا النبع الواحد للقصيدتين ، ومن اختلافهما – ليس الخلاف بينهما – داخل هذا النبع ، استخدمت قصيدة مكتوبة باللغة العربية الفصحى وانا اتحدث عن تجربة شاعر في كتابة القصيدة العامية.
القصيدة الفصحى انتقادية ، حادة كشفرة حلاقة ، على الرغم من ان لغتها بسيطة ، سهلة ، وخالية من كل تقعر ، وهي صادمة ، ولا تبتعد عن شعره العامي الانتقادي والساخر الذي سندرسه في هذه السطور.
يمكن تقسيم قصائده التي سندرسها الى ثلاثة انواع حسب طولها ، لان طول القصيدة له اهمية كبيرة لو احسن استخدامه ، وجعل منها – اي القصيدة – غير مسفة على ذائقة المتلقي العادي ، وفي التأثير على من يريد ان يحاورها اويناقشها ، والانواع هي : القصيدة الطويلة ، والقصيرة ، والقصيدة التي تقع بينهما .
ان الشاعر بنى قصائده على فكرة مطروحة في شوارع الواقع ، حيث نتعامل معها دوما دون ان ننتبه لها ، وقد قال الجاحظ “المعاني مطروحة في الطريق”.
في قصيدة ساخرة وانتقادية من النوع الاول ، يقول الشاعر :
(( والله صاحب
گلّه : رووووح … سدّك أمين
ولاتفكّر بالأهل لو بالگرايب
وهوّ صدّگ !!
طيّب وأثوّل وخايب
وراح ………………………..
…………. ويّه الراحو وشافو عجايب
وبعد مدّه ………………
ألووووو ….. ها يخويه شلونهَ امّي
خو مو بعدهه توّن عليه
وتبچي لو شافتني غايب ؟
أمّك ادّوّر طلايب
والولد … زينين ؟
بطّلو من المدارس
الچبير يبيع رايب
والزغير اليوم قدّم للعصايبوالبنيّه ؟
زينه …. بس …. تمرّضت
والطبيب يگول يرّادله دم
وانته تدري بصاحبك ماعنده راتب
وگبر ابوي … رحت زرته ؟
ليش مات ؟!
والله ما أدري يخايب
والبيت ؟
حاله من حال الخرايب
والمحل ؟
بعته وفلوسه گظن .. أدويه .. وهدوم .. وأكل
وطلعات .. وجيّات .. ومصايب
ومرتي خويه ؟
هااااا … شلون … شگلت … الخط ضعيف … صوتك يروح ويرد
سمعي ثگل … مو صرت شايب … ألوو … ألوو …
تووووووت ……. توووووووت
شلون صاحب ؟!)).
في هذه القصيدة تصدمنا نهايتها التراجيدية – الكوميدية ، عندما يسأل الشخص الاخر عن زوجته :
((ومرتي خويه ؟
هااااا … شلون … شگلت … الخط ضعيف … صوتك يروح ويردسمعي ثگل … مو
رت شايب … ألوو … ألوو …
تووووووت ……. توووووووت)).
نتساءل : ماذا حدث للزوجة؟ هل تزوجت من اخيه ،ام انها ماتت ، او اصابتها مفخخة ، او…؟
اسئلة تمر على ذهن القارئ، لا اجابة لها ،لان الشاعر ترك الاجابة ليضع القاريء الاجابة بنفسه في خضم الواقع المأساوي / الكوميدي الذي نعيشه .
وتحمل هذه القصيدة روح السخرية والانتقاد وهي تروي الحادثة .
وفي قصيدة ( والله لوتي ) ، يتحدث الشاعر عن معاناة الناخبين من ابناء الشعب ، حيث يعطون اصواتهم في الانتخابات تحت تأثير الدين والمذهب عن عملية لا علاقة لها بالدين والمذهب ، بل ان علاقتها بالوطن اوثق، الا انهم يحصدون الخيبة واللا شيء، لان المرشح كان يخدعهم:
(( والله لوتي
قشمراني …………..
بآيه ماحافظّه زين
وچم حديث
وسبحه ونعال وقميص …
گال : مايحتاج أوتي
وضمن صوتي
وصوت ابوي المات وامّي
وكلّ اخوتي
وذاك يوم …. وهذا يوم
هوّ ……..
گاعدله بقصر
يشتري ويبيع بسكوتي
وانه …….
ادوّرلي گبر
يستر عليّه بعد موتي
شلون لوتي !!!)).
وفي قصيدة من النوع ذاته بعنوان ( والله طيف ) ينقل لنا معاناة ام ( مشدوهة ) لا فكر لها حيث ان تفكيرها انصب على ما يعانيه العراق من ويلات على كافة الاصعدة فراح خبزها يتساقط في التنور كشهداء العراق حين تساقطهم.
((شفت امّي يم تنّورهَ
المنحوت من الضيم .. والوحشه .. والحيف
والعجين المختمر
أسمر نظيف
وماشفت چيمة حطب
……………. الخ )).
ومن امثلة النوع الثاني ، اي متوسطة الطول ، هذه القصيدة التي ينتقد الواقع من خلال نقده للظواهر الطبيعية التي كانت تساند الفقير في حياته، لكنها الان تقف بالضد منه:
(( الظلمه
مو چانت ستر ؟
للفقير اليستحي يشوفونه
بثياب الفگر
ولليتيم الماعرف يوم الفجر
وللحديثه الماتنام وتنتظر
بلكت عزيز الروح فد ساعه يمر
وللعاشگ اليكتب شعر
وللغريب الخلّص سنينه صبر
وللغايب الماله عذر
ليش صارت ستر
لليكتل غدر
أوّكر لاصحاب الكواتم والسيوف
التگطع بروس البشر !!!)).
والظلمة: مؤنث ظلام ، والعامة من الناس تؤنث الاشياء الحميمية ، لهذا فالظلام ” الظلمة ” كانت في يوم ما ظاهرة طبيعية صديقة للانسان ، فقد كانت تشكل ” الستر = الستارة الحاجبة ” للفقير ، ولليتيم ،وللصبية ” الحديثة ” التي تنتظر حبيبها ، وللغريب ، وللغائب الذي لا عذر له ، لكل هؤلاء كانت تشكل الستر لهم ، لكنها اليوم قد تغيرت وظيفتها ، من ظاهرة صديقة للانسان الى عدوة له ، فاصبحت وكرا لقاتل الغدر ، ولاصحاب المسدسات الكاتمة ، والسيوف التي تقطع الرؤوس .
هكذا تتحول هذه الظاهرة على يدي شاعرنا من ظاهرة حميمية لبعض الناس الى ظاهرة عدوة تصل عداوتها حد القتل ، لانه يقرأ ما في الواقع من امور .
وفي قصيدة اخرى يخاطب الشاعر ابناء المذهبين السني والشيعي بروح تسخر من حديثهم بالمذهبية بدلا من الوطنية العراقية :
((تگول شيعي
تگول سنّي
شبيك ياخايب تغنّي
———————– الخ)).
ومن النوع الثالث من انواع قصائد شاعرنا “علي الجبر” ، وهو نوع القصائد القصيرة التي لا تزيد عن سبعة ابيات .
في قصيدة له يصور الشمس وهي تتحول من شمس حنونة على الناس الى شمس قاسية:
(( الشمس
مو چانت تصبّح علينه
وتضحك بوجه الزرع
ولو بچينه تحير بينه
وبيدهَ تنشف الدمع ؟
شلون صارت مو حنينه
وقاسيه وما تنجرع !!!)).
ويذكرنا الشاعر بالفنان الكاريكيتري الاول في العراق ” غازي ” ذو البصمة الواضحة عندما يضع بوسترا مع بعض قصائده القصيرة التي يقول فيها:
((يامتعسه
وبيتج تهدّم
ومن باب دارج
ينضح الدم
ومنين ماملتي اندهرّتي)).
حيث يتناص الشاعر مع المثل الشعبي الذي يقول (مسعدة يل بيتج على الشط منين ما ملتي غرفتي) ، ويضع بوسترا لامراة وقد تهدم دارها بفعل القصف ، وهذا البوستر يعطي زخما قويا لفهم دلالة القصيدة القصيرة.
وفي قصيدة اخرى نلتقي بالعراقي الذي ذهب ضحية لمثل هؤلاء الذين يراؤون ، اذ انهم يصلون ، الا ان صلاتهم بـ ( المقلوب ) ، ويطوفون حول الكعبة بقلب ” يلوب ” وجل ،غير مطمئن:
((بالكعبه شفته يلوب
لابس قناعه
ويصلّي بالمگلوب
ويه الجماعه)).
ويذكرنا شعره – ايضا – بالردات الحسينية التي تقال في مواكب العزاء الحسيني ،لانه يريد ان ينهل من التراث الشعري العامي العراقي الاصيل ، والمتأصل في الذاكرة العراقية.
يقول وهو يخاطب العراقي الذي يقتل يوميا بدم بارد:
((بسم الغدر والجور
والطائفيه
دمّك يسيل بحور
وماإلك ديّه)).
وفي قصيدة اخرى، يصور الشاعر تغير صورة الحرامي ، حيث كان وقت لصوصيته الليل ، اصبح في وقت النهار ، و كان مطاردا ،اصبح انسانا محترما:
((الحرامي
الچان إذا فات بعگدنه
نلمله صفگه
واحد يشمره بحجاره
أوّاحد يلزگه بحذاء
ههههههه
شفته بالتلفزيون واگف
يم رئيس الوزراء !!!!)).
واخيرا ، فمن اماني الشاعران يرى الدنيا الجديدة الحاملة للوطن الذي ينعم بالسلام ، لا الوطن المقطع الاوصال:
(( كون أول ما أغمّض
عيني انام
واحلم بدنيه جديده
اوطن ينعم بالسلام
وكون اموت
گبل لا شوف العراق مگطّع
وبالعته حوت
وكون ……..)).
ان الشاعر ” علي الجبر” قدم في شعرة صورة للمجتمع العراقي باسلوب انتقادي ساخر ، لان الحياة التي يعيشها ذاك العراقي هي حياة ساخرة ، الا انها ذات سخرية سوداء، تحتاج الى عملية انتقاد ، لان الانتقاد بسخرية حادة هو عملية تسبق بناء المجتمع الصحي المعافى.









