ثقافة شعبية

رحيل شاعر ميساني

محمد عبد الرضا الذهبي

 

في صباح يوم الجمعة 2/1/2015 ميلادية ودع الحياة الصاخبة بصمت وهدوء دون ضجة شاعر من رواد الشعر الشعبي ومن اول المؤسسين لجمعية الشعراء الشعبيين الشاعر الحسيني والرادود القديم عبد الرضا حسن المترفي النجار عن عمر جاوز التسعين والذي صارع الحياة وهو يخوض عباب البحر الهائج بزورق بسيط دون شراع ويحارب امواجه العالية حيث كانت ولادته في محافظة ميسان عام 1919 ميلادية في محلة السوامرة ومارس مهنة النجارة ثم انتقل الى بغداد وسكن في منطقة الكرادة داخل في محلة البوليس خانة في عام 1930 ميلادية كرس حياته وشعره لخدمة المنبر الحسيني منذ طفولته وقد اثرت فيه الحركة الادبية التي نشطت بالكرادة الشرقية انذاك وحراكها الثقافي المتميز .
كما ساهم في كتابة القصائد الشعرية في المجالات الاخرى غير الدينية كالشعر الوجداني والاخوانيات .
نشرت له عدة قصائد في مجلة الفكاهة والمتفرج وجريدة ابن البلد التي صدرت عن جمعية الشعراء الشعبيين انذاك وتوطدت علاقته مع كثير من الشعراء منهم المرحوم الشاعر  كاظم حميد النجار العامري الذي انتخب رئيسا للجمعية وعيدان علي الجصاني ومجيد لطيف القيسي وغيره من الشعراء الحسينيين كسلمان الشكرجي وجاسم الربيعي والد النائب وعضو مجلس محافظة بغداد محمد جاسم الربيعي وعباس هجيج الكعبي الحلي وعدد كبير من الشعراء المعاصرين مثل الشاعر والمؤرخ محمد عبد الرضا الذهبي ومحمد جبار السعدي الساعدي ورحيم شبيب العبادي ومحمد مطر العبودي وباسم الخفاجي وغيرهم .
وقد ساهم في جميع المناسبات بحضوره الدائم في المواكب الحسينية والرثاء لال البيت الاطهار ومن ابرز قصائده الحسينية قصيدة ( الطشت) التي قراها على المنبر الحسيني الراحل الرادود حمزة الصغير كما قراها بعد ذلك الرادود ماجد الفرطوسي ما بين الحرمين في كربلاء وهي تروي ماساة رقية طفلة الحسين التي قضت وهي تقبل راسه الشريف يجيد كافة فنون الشعر مثل الابوذية والموال والموشح النصاري والدارمي وكانت بعض مطارحاته نشرت في جريدة الصباح من قبل الاديب الشاعر والمؤرخ محمد عبد الرضا الذهبي عانى الكثير من الظلم والتهميش ابان النظام المباد وتم توقيفه في مديرية الامن للنظام المقبور ونجى من سجون الطاغية باعجوبة حينما كان موقوفا وسجينا فيها وقد كتب قصيدة انتدب وانتخى بالعقيلة زينب عليها السلام وكتبها باعواد الثقاب واطلق سراحه استجابة لدعائه .
التقى كما ذكرنا الشعراء الرواد والشباب بطيبة القلب والتعاون ويعتبره الشعراء مدرسة يتعلم فيها ومنها اساليب الشعر واوزانه وحينما قابلته قال:
اقبلت انه برضا الباري ولاظل
امهجول دار ماعندي ولا ظل
اتمنه الموت كل ساعة ولا ظل
حاير والهموم اتحيط بيه
وعلى رغم من ذلك لا زال الشاعر لايملك بيتا يسكن فيه ولم يحصل على راتب تقاعدي ويعاني من التهميش والاهمال حتى من اتحاد الشعراء الشعبيين وقد ضعف بصره ووهن جسمه ولم يكن له ولدا يعينه سوى البنات الذين زوجهن وبقى وحيدا ينتقل بين غرف الايجار الذي يعينه بعض معارفه واصدقائه على دفع الايجار ويتكفلون معيشته .
كان عزيز النفس ويبتعد عن المديح ولايتملق لاحد ولا يمدح لمنفعة او بسبب مال اوهدية وهذه الصفات جعلته يعيش ظروفا قاسية اثرت في حياته الاجتماعية من نماذج شعره تلك المقاطع التي تظهر عن شاعرية فذة وهو نصف امي لايجيد القراءة والكتابة بصورة تامه منها :
احجيها للبخت ياطف
اوكفنا من حجي الوجهين
انت الادرى والاعرف
الشمس يحجبها رمش العين
نريدك ياضمير الطف
حكم تنصف ابين اثنين
مابين ابن ميسونه
اوبين ابن الزجية حسين
وله من الابوذيات :
درس ماخذت من عمري وعبرة
وصرت كنطرة العدواني وعبرة
عبرة امكسرة ابصدري وعبرة
سجيبة وبللت ثوب العلية 

جوادك دوم للطيبات غيره
وصديج المابجى المجاك غيره
بعد ماظل وفي والبيه غيره
الوفة كوض ابضعني وغدر بيه
ومن دارمياته :
اصبر واريح الروح واتناسه الهموم
لتامن بدنياك وتظنها لك دوم
حاير ولك ياعيد كبرت قضيتي
شعتذر للخطار لو كصد بيتي
وقد قرا لي قصيدة رائعة طويلة يخاطب بها روحه فيقول:
يروحي وياي ما ادري اشتكصدين
اشما انهاج انتي ابضدي تمشين
يروحي  اشلون تاليها انه وياج
اظل ابرايج امشي وارضى لرضاج
اشبليتيني يروحي الله يبلاج
وره الما يسوه ول يسوه تركضين
رثاه ومدحه بعض اصدقائه وتلامذته فيقول الشاعر محمد مطر العبودي ابو فريد :
يصكار الشعر ومرجف ابحوره يدوزان اليوضح الصوت والصورة
يميزان الذهب يل توزن الشعره
فرحانه القوافي الحضرت بشعره
مو شايب شباب تحسبه وتشعره
واهواي اهل الشعر تستانس ابشوره
اما الشاعر فهد حسين خشين الحسيناوي فيقول :
تهدل والطم اعله الراحو بعيد
وارفس رفسة المذبوح مرتين
وانحت بالصخر كل عمرك الجاي
مايشفى الجرح لو فاركت زين
فريضة انت وعليك اتشد الارحال
ولجيتك تحن كل الدواوين
يل منور الظلام ابوحشة الليل
هم تولد بعد مثلك نساوين
اشتظن تمشي السفينه بغير ملاح
وهم يصحه العقل وي المجانين
ثم صديقه الحميم ومفتاح اسراره رحيم شبيب العبادي يقول :
فارس بالشعر واسلاحه الاقلام
يشك الكاع رمحه يفجر انهار
على ظهر القوافي يثبت اقدام
وبكلب الرياء اشعاره بسمار
حسيني وما تمل حسين للموت
وعلى حب الحسين تموت الاحرار
وقد وجدت بيتا من الابوذية كتب عني واودعه لدى الشاعر رحيم شبيب يقول فيه
من معدن اصالة اوشان تبراك
وجدم اليعتني المنزلك تبراك
عساهه رحمة العبود تبراك
ابولائك للوصي حامي الحمية
ولرحيم شبيب ارسل بيتا من الابوذية يقول فيه
ابتوالي العمر من جيتك وردتك
عطر وتفوح من تزهي وردتك
من ال المصطفى الهادي وردتك
وفي وتخدم حسين ابن الزجية
وللشاعر محمد مطر العبودي :
ياولد فريد الكلب حبلاك
الجدم بس لك صار بشوك حبلاك
انعكد حبلي تراهو بطرف حبلاك
وجمعنه حب علي حامي الحميه
وللشاعر باسم الخفاجي يقول:
لبيب وصدك طيب ذات باسم
وثغرك دوم للطيبات باسم
اريد اللي يضدك مات باسم
بجهنم مسكنه وناره سرية
وهكذا يسدل ستار الحزن والهموم وترسو سفينة الشاعر على شواطي الحياة ويترك اشعاره وتطوى بين طيات التاريخ ويذري عليها غبار النسيان.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان