د. علي حداد
نال الشاعران (معروف عبد الغني الرصافي 1875ـ 1945م) و (ملا عبود الكرخي 1861ـ 1946م ) من الشهرة والمكانة في المشهد الثقافي العراقي والشعري خاصةمقداراً جعل كلاً منهما علامة شاخصة وحضوراً لا يدانى فيه، على الرغم من اختلاف المسار الذي اختطه كل منهما في نهجه الشعري ، حيث تخير الأول اللغة الفصيحة ، وذهب الآخر ليتبنى اللهجة العاميةوالبغدادية خاصةوسيلة تعبيرية ، ليصبح كل منهما ممثلاً لاتجاه تعبيري مختلف في مسار الشعرية العراقية التي تم لها أن تعلن عن انشغالاتها وحدود الرؤية التي تعلن عنها وهي تعايش مرحلة مهمة من التاريخ السياسي والاجتماعي والثقافي للعراق منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى أربعينات القرن العشرين. لقد كان الانتماء الوطني حالة باذخة التشخص في مسار حياتهما ، وفي مراحلها المختلفة ، ليتكيف ذلك كله في اللقب ذي السمة البغدادية الخالصة الذي أسبغ على كل منهما، مشيراً إلى انتمائهما لواحدة من جهتي بغداد الجغرافيتين الأساس (الكرخ والرصافة) ، حتى أمسى لقب كل منهما هوية توصيف خاصة لا يكاد يذهب مدلوله إلى أية شخصية بغدادية أخرى سواهما . ولاشك في أن مخرجات ذلك كله قد امتدت نسغاً أساساً في كثير من مساحة التعبير السلوكي والشعري التي أعلنا عنها.
كان التصاق الشاعرين بهموم مجتمعهما أمراً مركزياً في مواقفهما واشتغالاتهما الشعرية حد أنهما لا يكادان يتركان شأناً من شؤون مرحلتهما إلا وأدليا برأي فيه وحددا موقفاً منه ، سواء أكان ذلك في السياسة أم الاجتماع أم الشأن الثقافي بتفصيلاته كلها.
لقد بدا طريفاًحد إثارة الانتباه أن نجدهماونحن نستعيد بعض ماعبرا عنه من مواقف في السياسة وأهلها والاجتماع وشجونه يثيران من الأفكار ما تكاد تتطابق وجهتها تماماً مع الحال التي نعايشها اليوم . ولاشك في أن هذا الأمر لم يكن عند أي منهما قدرة استشراف لما سيقع في الأزمنة التي ستأتي بعد زمانهما ، بقدر ما أن ذلك القادم من وقائع حياتناولاسيما الراهن منهاقد كرر ما عايناه ورصداه في مرحلتهما ، وتلك بعض حدود مأساتنا ، فالتاريخ معنا بعيد نفسه ويستنسخ وقائعه . وكأنه يؤكدولمرات عدةمنطوق مقولة لـ (كارل ماركس) مفادها أن التاريخ لا يعيد نفسه ، وأن الواقعة إذا ماتكررت فإن صورتها (الدرامية ) الأولى ستصبح (كوميدية) في الثانية ، وذلك ما تكاشفنا به وقائع الحاضرـ حاضرنا من دون سوانا من شعوب الدنياالمكرورة عن مثيلة (ماضوية) لها، تلك التي جاءت عنها نسخة (كوميدية) حقاً ، ولكنها (كوميديا سوداء) أو على حد وصف أبي الطيب المتنبي (ضحك كالبكا). كان الرصافي في معظم مانظمه من شعره السياسي ينطلق من موقف يتمسك برؤية الشاعر (النهضوي) لمكانته ودوره في كونه المفكر والمصلح والحكيم .ومن هنا فقد وجدنا أنه كثيراً ماكان يوجه خطابه في نصوصه السياسية بضمير الـ (أنا) الذي يضعه في مواجهة الآخر (أنتم). وكان في الغالب عليه أنه يوجهه إلى الحكومة ، أي إلى (السلطة التنفيذية) التي كثيراً ماسخر منها في مثل قوله:
دار ذا الدهـر مداره
فرأى الناس ازوراره
كل فعل الدهر فعـل
فيـه للحـر إثــاره
أهـل بغـداد أفيقـوا
من كرى هـذي الغرارة
إن ديك الـدهـر قـــد با..
..ض ببغــداد … وزاره
أما الانتقادات الموجهة لديه إلى السلطة التشريعية (مجلس النواب) فبدت محدودة المقادير قياساً إلى ماخص به الحكومة ، ولا تكاد تتجاوز بعض الأبيات التي تذهب سخريته فيها إلى ذلك المجلس ، كقوله في قصيدته (جاهل متكبر) :
وشامخ الأنف ماينفك مكتسياً
ثوب التكبر في بحبوحة النادي
قد لازم الصمت عياً في مجالسه
كأنمــا هــو من نواب بغداد
ولنا أن نظن أن هذا الموقف قد تأسس في جانب منه علىأن الرصافي كان قد أصبح عضواً في مجلس النواب لمرات عدة.
وعلى عكسه فقد كان الكرخي يتلمس حس المواطن الشعبي البسيط ويتحدث بلسانه، ليوجه خطابه الشعري الساخر أحياناً والساخط غالباً إلى حيث البرلمان (السلطة التشريعية) .ولأجل هذا فقد تبدى الضمير (نحن) بارزاً في كثير نصوصه الشعرية ذات الوجهة السياسية ، كما في قصيدته ( لطمية حارة على النواب)، وقصيدته (مرشحون) التي نقتطف منها قوله:
أقسم بالذي ألقوه بقعر الجب
نائب مابهم من مصلحتنه يذب
نعم أشهد إله منفعه وذاته يحب
يقبض راتبه ويلعن أبو الأوطان
ومنها:
الأمة لازم اترشح أناس يكون
إلى هـذا الوطن أرواحـهم يفـدون
مابينهم شاب ودارس القانون
والشيخ وكهل من نخـبة الأوطـان
والا أحنا منقبل أبد بـ (شعيط)
في المجلس علينا ينّصب و(معيط)
و(شناوه وعواره واليجر الخيط
وخرموش المحنفش والعجل طوكان)
ولم يكن تمثل الشاعرين (الرصافي) و(الكرخي) لوجودهما الوطني لتحده حدود تعبيرية ضيقة، وقد تجلت عندهما كشوفات ذلك في شؤون ومواقف وقصائد كثيرة شغلتها تناولاتهما السياسية والاجتماعية والثقافية للشأن العراقي عامة. لقد تطلع الرصافي إلى واقع بلاده المتردي، فكتب مرة:
سكنـا ولم يسـكـن حراك التبدد
مواطـن فيهـا اليوم أيمـن من غد
عفا رسم مغنى العز منها كمــا
عفت (لخـولة أطـلال ببرقة ثهمد)
بلاد أنـاخ الـذل فيها بكـلكـــل
على كـل مفـتول الـذباليـن أصيـد
وتحمل قصيدته (نحن في بغداد) نفثة غاضبة يحملها امتعاضه من واقع التردي في أوضاع بلاده:
أيا ســائلاً عـنـا ببغـداد إننــا
بهـائــم في بغـداد أعـوزهــا النبت
علت أمة الغرب السماء وأشرفت
علينا فظلنـا ننظــر القوم من تحت
وهم ركضوا خيل المسـاعي وقد
كبا بنا فرس عن مقنب السعي منبت
فنحن أنـاس لم نـزل في بطالة
كـأنـا يهــود كــل أيامـنـا سـبت
ولايفوته أن يتناول الواقع السياسي ، فينال من السلطة الحاكمة التي يحملها جانباً من حالة التردي القائمة:
خضعنا لحكام تجور وقد حـلا
بأفـواههـا مـن مالنا مأكـل سحت
كما قامرتنا ساسة الأمر خدعة
فـتم علينـا بالخـداع لهــا الـدست
أما الكرخي فيتناول وجوده المكاني والعاطفي المنتمي إلى وطنه، جاعلاً من بغداد مرتكزاً تعبيرياً عن قضايا متعددة سياسية واجتماعية. ولعل قصيدة (بغداد مبنية بتمر) هي الأوفر إلى التذكر والإشارة. يقول مطلع القصيدة:
بغداد مبنيه بتمر فلش وكل خستاوي
وقد كرر الكرخي في بداية كل مقطع من مقاطع القصيدة مفردة (بغداد) المبنية بكل الثمار والأشياء الطيبة ، فهي سوى التمر مبنية بالتين والعنب والتفاح مخلوط معها (بلقم) و(بزبد)، وهي (مرشوشة بعسل) . ولكن أياً من أبنائها ليس لهفي ظل المحتل الأجنبي سوى القليل الذي لا يكاد يشبع جوعه:
فلش وكـل مركة هوه
ومن التمـر سهمي النوه
جلدي على عظمي التوه
من طـب (أبو نجاوي)
وعلى امتداد القصيدة سنجد أن الكرخي ينطلق من الوجهة ذاتها في إدانة الأوضاع القائمة ولكنه لا يحملها الحكومة كما فعل الرصافي بل يلقي بتبعاتها على المحتل البريطاني ، وما تركه بعد رحيله المزعوم من اتباع كان معظمهم قد رهن وجوده بمصالح من أتى به ، وبنوايا تحركها الإثرة المريضة أكثر من حس الانتماء إلى أهله ووطنه. وأخيراً، فلعل خير ما لخص به الشاعران أفكارهما عن الوضع السياسي في العراق ما جاءت عليه قصيدة الرصافي (حكومة الانتداب) التي بلغت ثلاثة وأربعين بيتأً ،قال في أبياتها الثمانية الأولى :
أنا بالحكومة والسياسة أعرف
أألام في تفـنيدها وأعـنف
سأقول فيها ماأقول ولم أخف
من أن يقولوا شاعر متطرف
هذي حكومتنا وكل شموخها
كـذب ، وكـل صنيعها متكلف
غشت مظاهرهاوموه وجهها
فـجميع مافـيها بهارج زيف
وجهان فيها باطن متستر
لـلأجـنبي وظـاهـر متكشف
والباطن المستور فيه تحكم
والظاهر المكشوف فيه تصلف
علم ودستور ومجلس أمة
كل عن المعنى الصحيح محرف
أسماء ليس لنا سوى ألفاظها
أمـا معانيها فـليست تعـرف
من يقرأ الدستور يعلم أنه
وفـقاً لصك الانتداب مصنف
وقد جارى الكرخي هذه القصيدة بعدد مماثل من الأبيات ، فقال مسايراً أبيات الرصافي أعلاه:
أني بالحكومه والسياسه أعرف
إذا فـندتها … ألّام واتعـنف
أكول شما أكول ولا أخاف اللوم
خل يكلون شاعر جسر يطّرف
حكومتنه وعمله وهلشموخ الكل
كذب والصنع كله امبركع مكلف
مظاهرها تغش الناس واموه
وجههه والجميع امبهرج امزيّف
وجوه اثنين: واحد باطن ومستور
الباطن للغريب وظاهر امكشف
الباطن بي تحكم والظلم والجور
والظاهر على المسكين يتصلف
الدستور وعلمهه ومجلس الأمه
عن المعنى الصحيح اتغير، اتحرف
ألفاظ وأسامي عن فعلهه ابعيد
ظـل معنى الأسامي أبد مايعـرف
الدستور اليشوفه حالاً يشك بيه
بصك الانتداب مـرتب امـصنف
وبعيداً عن دوافع الكرخي الذاتية في مجاراة أبيات صديقه الرصافي فإن القصيدتين تؤشران جانباً دالاً على طبيعة تلقي الشاعرين لوقائع عصرهما في بعدها السياسي ، والجرأة على نقدها والتشهير بعيوبها ، وهو ما يحتاج وعيه وقدرته على التشخيص الكثير من مثقفي زماننا الراهن.









