فالح حسون الدراجي
مات الملك عبد الله بن عبد العزيز، وقبل أن يصل جثمانه الى المقبرة الوهابية، بدأ الزحف السديري على مؤسسة الحكم الملكية، لقضم تفاحة العرش الملكي بأنيابهم المفترسة. ولمن لا يعرف طبيعة الأسرة السعودية الحاكمة، نذكر بأن مؤسس المملكة عبد العزيز آل سعود اختار قبل وفاته ابنه البكر سعود ليخلفه، واختار ثاني أكبر أبنائه فيصل ليكون ولي العهد…
كما أوصى ابنيه، وهو على فراش الموت، قائلا لهما: (ضعا يديكما معا على جسمي، وعداني بأنكما لن تتخاصما أبدا بشكل علني)..
إلاَّ أن (الابنين تخاصما على مدى عقد تقريبا، إلى أن أطاح فيصل أخاه سعود، ونصّب نفسه ملكا قبل أن يقتل على يد ابن أخيه)!! ومن الجدير بالذكر أن السديريين السبعة هم أبناء عبد العزيز من أمهم (حصة) إحدى زوجات الملك عبد العزيز المفضّلات..
وبحسب مصدر قريب من البيت الملكي السعودي فإن السديري السبعة حاولوا السيطرة من قبل حتى تمكن لهم سلمان بعد ذلك، على الرغم من أن الموت أفقدهم ثلاثة من (سبعتهم) الأقوياء، وهم فهد بن عبد العزيز وشقيقاه سلطان، ونايف، بحيث لم يتبق منهم سوى ‘السديري الأربعة’، وهم تركي الذي كان يعيش في المنفى، وسلمان الذي أصبح ملكاً بعد وفاة أخيه الملك عبد الله، وأحمد الذي فقد منصبه كوزير للداخلية، والرابع هو الأمير عبد الرحمن الذي يشعر بالانزعاج، لأنه يتم تجاوزه دائماً..
لقد إنقلب سلمان بمجرد أن أصبح ملكاً، على كل التحوطات والإجراءات التي أتخذها الملك عبد الله، للحفاظ على تماسك وقوة البيت الملكي السعودي، وعدم تشققه وإنقسامه، وإبعاده عن هيمنة السديريين. ومن بين تلك الأجراءات قيام الملك عبد الله عام 2006 بتأسيس هيئة البيعة التي ضمت 35 شخصا يمثلون كل فرع من فروع الأسرة الملكية. وإذا ما توفي أحدهم أو أصبح غير قادر على الاستمرار يحقّ لأبنائه تمثيله…
لكن سلمان أدار ظهره للهيئة، وللتقليد الملكي التاريخي، ولوصية أبيه في أن يكون الملك، وولي العهد من أبنائه فقط دون غيرهم، فعمد الى تعيين إبن شقيقه (السديري) محمد بن نايف بن عبد العزيز نائباً لولي العهد، بينما هناك عدد كبير من أبناء عبد العزيز يقفون في الطابور عسى أن يصل اليهم الدور في تولي عرش المملكة!! ولاسيما أن سلسلة الحكم في السعودية بدأت بعد رحيل الملك عبد العزيز، بأبنه سعود، لينتقل الحكم بعدها الى أخيه فيصل بن عبد العزيز، ثم الى أخيه خالد بن عبد العزيز، فأورثه هذا الى أخيه فهد بن عبد العزيز، ثم بات عبد الله بن عبد العزيز ملكاً على المملكة السعودية بعد رحيل أخيه فهد، لينتقل الحكم بعد وفاة عبد الله الى أخيه سلمان عبد العزيز..
وبحسب المراقبين فإن من بين أبناء عبد العزيز الـ 16 الأحياء أكثر من مرشح ساخن للحكم، لكن هناك إثنين منهم مؤهلين بشكل أفضل تماماً، وهما وزير الداخلية السابق الأمير أحمد بن عبد العزيز، البالغ من العمر 72 عاما، والذي أبعد عن منصبه كوزير للداخلية لصالح إبن أخيه محمد بن نايف.
والأمير مقرن، أصغر أبناء الملك عبد العزيز، حيث تم إختياره بالفعل ولياً للعهد. ويقال أن إختيار محمد بن نايف لم يأت من قبل الملك سلمان والسديريين فقط، إنما جاء أيضاً بدعم من أمريكا، بعد أن نجح محمد – كما يشيعون – في إدارة برنامج إعادة تأهيل الإرهابيين السعوديين، فضلاً عن كونه من الجيل الثالث في الأسرة السعودية، ويتحدث اللغة الانكليزية بطلاقة.
ويشير المراقبون الى إن “المستقبل في السعودية غير واضح خلال السنوات القليلة القادمة، وإن المشاكل في الشرق الأوسط، وفي العالم لن تتوقف، ومن ثم سيكون لدى المسؤولين عن الحكم السعودي قلق كبير إزاء البرنامج النووي الإيراني، وأسعار النفط، والتغييرات في العالم العربي، كما سيكون لديهم قلق حول الشيعة في المناطق الشرقية في السعودية وفي البحرين المجاورة، إذ لا يمكن أن يستمر القهر والتهميش والحرمان للشيعة في السعودية الى الأبد..
وحتماً فإن هذه المشاكل مرشحة للزيادة ، الأمر الذي سيسبب “أوجاع الرأس” لأي شخص يجلس على عرش المملكة السعودية. وإذا كان الملك سلمان بثقافته البسيطة جداً، محافظاً يتعاطى مع الأصلاحات الديمقراطية بحذر شديد، رغم إنفتاحه على الغرب، وعلى وجه الخصوص أمريكا، وإن ولي عهده (مقرن) المثقف بثقافة واسعة، ويقال أنه (عازف عود) أيضاً، وله علاقة متينة مع الأدارة الأمريكية، وإن كلاهما – الملك وولي العهد- صقران متشددان في السياسة الخارجية تجاه الجار اللدود إيران، ومتشددان في السياسة المذهبية تجاه شيعة السعودية واليمن والبحرين، والعراق، ولبنان، فإن المصيبة القادمة لن تقع على رأس إيران، ولا على رأس الشيعة في هذه الدول، إنما ستقع على رأس المملكة السعودية نفسها.. فالشيعة في السعودية بدأوا يطلقون أصواتهم المطالبة بحقوفهم في الوسائل الأعلامية، وإن إيران فرضت وجودها المادي والمعنوي على المجتمع الدولي كقوة محترمة يجب ان يحسب لها الحساب، وإن شيعة العراق تمكنوا بتضحياتهم من كسر رأس داعش السعودية، رغم أنف كل العملاء، والتابعين للدولار السعودي. أما الحوثيون فقد شجوا رأس الممكلة بإنتصاراتهم الكبيرة في اليمن، بحيث لن تنفع وصفة الأمير مقرن (وأمه يمنية) في عودة الأمر الى ما كان عليه. كما لا تنفع السعودية تجربة الملك سلمان الهشة كوزير للدفاع ناهيك عن الإنتفاضة التي ستأتي قريباً من داخل البيت الملكي السعودي، بعد أن وضع السديريون بزعامة سلمان يدهم على أغلب المناصب والمواقع المهمة في المملكة.. الطوفان قادم.. وضاعت فلوسك يظافر.. عفواً يصابر..

