ثقافة شعبية

جديد دار الشؤون الثقافية

كتاب نزهة الإخوان في القهوة والدخان أ. د. ندى عبد الرزاق محمود الجيلاني

طالب كريم

عن سلسلة “” دراسة وتحقيق “‘ التي تصدرها دار الشؤون الثقافية العامة / وزارة الثقافة والسياحة والآثار صدر حديثاً “” كتاب نزهة الإخوان في القهوة والدخان “” تأليف: محمد القمحاوي / دراسة وتحقيق: أ. د. ندى عبد الرزاق محمود الجيلاوي.

هذا الكتاب يأخذنا من رائحة البن المحمّص في زوايا اليمن القديمة إلى دخان الغليون في مجالس الأمراء، فيربط بين عادة يومية اعتدناها وبين جدل حضاري امتد قروناً. إنه «نزهة الإخوان في القهوة والدخان» لمؤلفه محمد القمحاوي، وهو أول كتاب يُعنى بهذا الموضوع تحقيقاً ودراسة على هذا النحو، وقد تصدّت لتحقيقه وتقديمه الأستاذة الدكتورة ندى عبد الرزاق محمود الجيلاوي، فجاءت به إلى القارئ اليوم بعد أن كان حبيس المخطوطات، ليصبح مرآة نرى فيها كيف نظر العرب إلى ما نسميه اليوم «مزاج الصباح»، وكيف تحوّل إلى مسألة فقه وسياسة وأدب.

يفتح القمحاوي كتابه من أرض الاكتشاف الأولى، من جبال اليمن، حيث لامست يد المتصوفة حبة البن، فوجدوا فيها معيناً على السهر للعبادة، ثم تتبع رحلتها مع التجار والحجاج حتى استقرت في مقاهي القاهرة ودمشق وبغداد، فلم تعد مجرد شراب، بل صارت مجلساً وعادة ولسان حال. والقارئ هنا لا يقرأ تاريخ قهوة فحسب، بل يقرأ تاريخ المدن حين كانت المقاهي هي الجامعة الشعبية الأولى، حيث يلتقي الفقيه بالشاعر والتاجر بالحاكم، وتُدار النقاشات وتُكتب الأشعار وتُحسم الآراء على صوت دلة تُسكب في الفناجين الصغار.

ثم ينتقل بنا الجزء الأكثر إثارة في الكتاب: الجدل القديم حول الحلال والحرام. لم تكن القهوة حين ظهرت أمراً مسلّماً به، بل سُئل عنها الفقهاء، ورُفعت إلى مجالس الحكام، وكُتبت فيها الرسائل، وانقسم الناس بين مُحلّل يرى فيها منفعة للبدن وعوناً على الفكر، وبين مُحرّم يخشى الإسراف فيها وما تجره من سهر ولهو. واللافت أن القمحاوي لم ينقل الفتاوى نقلاً جافاً، بل صاغها في صورة أسئلة وجّهها الأمراء والحكام الذين اجتمع بهم، فنسمع صوت السلطة وهي تسأل عن حكم شرابٍ دخل القصور قبل أن يدخل البيوت، ونسمع رد العلماء وهم يتأملون دليل الإباحة ودليل المنع، في مشهد يجعلنا ندرك أن مسألة «فنجان قهوة» كانت في يوم من الأيام قضية رأي عام.

وبموازاة القهوة يسير الدخان رفيقاً لدوداً، يتناول القمحاوي التبغ كما تناوله الناس في زمنه: دواءً مرة، ومتعة مرة أخرى، ومدعاة لجدل فقهي لا يقل حدة عن جدل القهوة. فيجمع بين منافع زعمها الأطباء، ومضار حذّر منها الوعاظ، وبين أشعار قيلت في مدح الدخان تشبهه بالنار التي تأكل صاحبها، وهنا تبرز قيمة الكتاب الأدبية، فهو لا يكتفي بالسرد التاريخي، بل يضم بين دفتيه طائفة من الأقوال المأثورة والأبيات التي قيلت في مدح القهوة وهجائها، وفي مدح الدخان وذمه، فيصبح القارئ أمام موسوعة مصغرة لذائقة العرب في زمن كانوا فيه يكتبون عن كل شيء، حتى عن بخار الفنجان ولفافة التبغ.

وينقسم الكتاب في بنائه إلى قسمين متداخلين لا منفصلين:

الأول يرصد تاريخ القهوة والدخان ومنافعهما وما قيل فيهما من خير وشر، والثاني يغوص في سجال التحريم والإباحة كما دار في مجالس العلم والحكم.

«نزهة الإخوان في القهوة والدخان» ليس كتاباً عن مشروبين فقط، بل هو نزهة في العقل العربي حين واجه الجديد، وفي قلبه حين أحب عادة ثم دافع عنها أو حاربها، وفي لسانه حين نظم فيها شعراً، ولعلنا اليوم ونحن نرفع الفنجان صباحاً، أو نمر بمقهى في بغداد، نتذكر أن لهذا المشهد جذوراً ضاربة، وأن من سبقونا اختلفوا وتحاوروا وأبدعوا حوله، فصار جزءاً من هويتنا لا يمكن فصله عنا.

يقع الكتاب بـــ ٢١٢ صفحة من القطع المتوسط. تصميم الغلاف للفنان: هادي أبو الماس.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان