فنون

معزوفة اللَحظة النَاقصة

قراءة نقدية في كتاب “الحياة كجملة ناقصة”  أياد النصيري

تأتي كتاباتُ الفنانة والإعلامية القديرة الدكتورة هند كامل في مؤلَّفِها النثري الأخّاذ (الحياة كجملة ناقصة) لتسجلَ لحظةً فارقة في أدب السيرة الوجدانية والتأملات الروحية الشفيفة. هذا ليس مجرد كتابٍ يُقرأ بالعين بل تجربةٌ حية تُعاش بالقلب والذاكرة حيث يلتقي عمقُ الرؤية برهافةِ الحس وتتماهى فيه نبرةُ الشجن الصادقة مع لمساتِ الفنانة التي تعرف تماماً كيف تحول الكلمة إلى لوحةٍ مأهولة بالضوء والظل.

تأخذنا هند كامل في هذا العمل الشجي إلى المساحة الفاصلة بين ما قيل وما بَقي طليقاً في الروح فتنسج من تجربتها الإنسانية العريضة نصاً يضوع بعبير بغداد، وينبض بحرارة التمرد والحرية ويحتفي بـ (النقص) لا بوصفه غياباً بل بوصفه الباب المفتوح دائماً للدهشة- والشغف- والرجاء- إنها تكتب بعنفوان خمسين عاماً من العطاء بلغةٍ مطعّمة ببريق الشاشة وهيبة المسرح ودفء الصوت الإعلامي الذي أَلِفَه الجمهور وعشق نبرته

يمثل عنوان الكتاب (الحياة كجملة ناقصة) البؤرة الدلالية المكثفة التي تنطلق منها رؤية الكاتبة للوجود. العنوان لا يطرح مجرد استعارة بلاغية بل يختزل أطروحة كينونية متكاملة

ترتكز هند كامل على فكرة أن الاكتمال التام يمثل حالة استاتيكية تحاكي العدم أو انطفاء الحياة بينما يُعد (النقص) الباب المفتوح دائماً أمام الاحتمال الشغف والتجدد المستمر. ويتجلى هذا الفهم العميق في قولها

(لوكانت الجملة مكتملة لما كان في داخلنا شغفٌ بالسؤال ولا توقٌ إلى الغد.. الاكتمال موت- والنقص حياة) تتماهى الكاتبة مع استعارات النحو واللغة فالإنسان يبدأ كـ (الكلمة الأولى) ثم تلتف حوله (الأفعال- الصفات- والظروف). تعيد الكاتبة أنطولوجيا الإنسان إلى أصل لغوي وترى أن الفاصلة الشفيفة بين الأحداث والسكون تسبق دائماً اكتمال المعنى تمنح (الجملة الناقصة) القارئ والإنسان عموماً مساحة رحبة للحرية والديناميكية حيث يستطيع كل فرد أن يضيف كلمته الخاصة (سواء كانت محبة أم علماً أم ثورة أم صمتاً عميقاً) لتتحول الحياة من مأساة (عدم الاكتمال) إلى مجرة من الفرص والخيارات المستمرة

في كلمة الغلاف ونصوص الكتاب تحول الكاتبة فعل الكتابة من مجرد ترف جمالي إلى طقس تمردي وعلاجي في آن واحد تصف الكاتبة فعل الكتابة بأنه مواجهة وميدان حيث تتحول الصفحة البيضاء إلى مساحة للنزف والوشم بعنفوان خمسين عاماً مضت. إنه نزيف كبرياء لا يستجدي العطف بل يحفظ هيبة الوجع وجلال الصمت. تطرح الكاتبة بعداً اجتماعياً ونفسياً وحاداً حين تقول

(يلجأ المقهورون للكتابة لأنها فعل تمردي.. يستعد الكاتب من خلاله لثورة السواعد واللسان)

الحرف هنا وسيلة جبارة لتفريغ الشحنات الضاغطة وتجاوز عمليات الصمت الممنهج والقمع الاجتماعي ترفض هند كامل المقاييس الكمية للإبداع فليس الموعد اليومي أو عدد الصفحات هو ما يمنح الكتابة قيمتها بل القوة التعبيرية والتجسيد البصري للحرية- (أن أرسم خطواتي بالكلمة وأنقش ابتساماتي بحبر الحروف وأنحت في الورقة ألف نصب للحرية) إن النحت هنا يحول اللغة النثرية إلى مادة صلبة تشبه التماثيل والنصب الخالدة

تتجلى (بغداد) في نصوص هند كامل ليس كإقليم جغرافي أو مسقط رأس فحسب بل كـ (كائن حي) و(دثار روحاني) تبحث عنه في أقصى لحظات الانكسار يرسم نص (طقس مطاردة بغداد) لوحة انفعالية مليئة بالمشاعر المتضاربة حيث يقف جليد المنفى (الثلج- الضباب- والجدران الغريبة) في مواجهة لهيب الذاكرة ودائع بغداد (دفء دجلة- رائحة الهيل في المقاهي- وملامح شارع المتنبي) في نص (بغداد) تبحث الكاتبة عن الدثار حين تذبل وردات العمر أمام خريف السنين وحين تصبح الابتسامات على المرآة باهتة ومجرد قناع مكرر. ينتهي النص بتساؤل استنكاري حزين (متى؟) وهو سؤال يفتح النص على فضاء الافتقاد والرجاء المعلق في أروقة المنفى. تصبح الكاتبة كمن يمارس طقساً يومياً لمطاردة مدينة متخيلة لتتحول بغداد من جغرافيا زائلة إلى وطن داخلي تقيم فيه الروح رغماً عن المسافات –تتميز البنية الصورياتية لدى هند كامل بالقدرة على التقاط المفارقات اليومية وتحويلها إلى رموز مكثفة ذات بعد اجتماعي ونفسي عميق

المفارقة والتلصص (حزمة أسرار) يعبر هذا النص عن الهشاشة الإنسانية والانتهاك غير المرئي للخصوصية حيث يُخدش حياء الأسرار بنظرات متلصصة في صور خاطفة- قميص النوم الذي يتلصص عليه عامل الكهرباء- رسالة الحب التي تضاء بها عتمة قاعة اجتماع رسمي- والسقف الذي غادر الدار حين يُسأل المرء كيف يعيش– ترتدي الكاتبة مسوح الناسك المنقطع في صمته غير أن هذا الصمت يشتعل ليتحول إلى طاقة تعبيرية صاخبة. تنقلب المشاهد إلى فرح فوضوي جميل-  في (حريق الدمع) سموات تمطر زهورا حمراء وفراشات تستغرق مسافات العمر بالفرح حتى نصل إلى قاطرة موسيقية تنساب عزفاً شجياً يمتد إلى دجلة حيث تلتقي ضربات الدفوف بنبضات القلب

تطرح الكاتبة رؤية متوازنة وعميقة لمفهوم الحب تبتعد عن التبسيط التقليدي- ترى هند كامل أن الحب ليس مجرد انفعال عابر بل هو (وعد غامض بالحياة) وضوء يعيد تشكيل ملامح الروح من جديد. إن الربط بين الحب والفقدان يضع التجربة الإنسانية في سياقها الواقعي فالإنسان يحب بكل طاقته وهو يعلم يقيناً أنه سيفقد يوماً ما. الحب يمنح الوجود معناه الغائي بينما يجيء الفقدان ليكشف عن هشاشة هذا الوجود وقصر مدته.

تواصل هند كامل تقديم معزوفة نثرية بالغة الكثافة والعمق حيث تشكل مجموعاتها النصية البُعد الإضافي الذي يعمّق الثيمات المركزية في تجربتها الأدبية والفلسفية مواجهة الزمن والجسد- التمرد على القمع النفسي- فلسفة العدالة الكونية- والاغتراب العاطفي

في نصي (مرآتي) و(معطف لكل المواسم) تخوض الكاتبة مواجهة مكشوفة وشجاعة مع تحولات الزمن وتأثيره على الكينونة والجسد -ففي نص(مرآتي) تُشخّص الكاتبة العمر كـ (عدو أبدي للمرايا) يمتلك سكيناً يمضي بها عميقاً ليتجاوز المظهر الخارجي ويسدد ضرباته لـ (الغرور) الإنساني الشفيف. تجلي براعة الصورة يتضح في منح المرآة كائناً حياً يشعر ويحزن ويخبو وهجه فالمرآة ليست مجرد زجاج عاكس بل هي شريك في بهجة الماضي وضحية لـ (ستائر الختام) التي يسدلها العمر. تحول الكاتبة فعل الشيخوخة والزمن إلى دراما بصرية بطلها المرآة وضحيتها الملامح والغرور- في نص (معطف لكل المواسم) تفكك هند كامل دلالة المظهر الخارجي فالمعطف الذي ترتديه منذ خمسين عاماً لا يعبر عن برودة الطقس أو الشتاء الجغرافي بل هو دثار مجازي يغطي برد الروح والوحدة تظهر الكاتبة (البنية النحيلة) للذات الإنسانية أمام قسوة الأيام وهي بنية لا يمكن أن تحميها آلاف المعاطف من قسوة المشاعر الباردة مما يعزز ثيمة الاغتراب والهشاشة الذاتية في مواجهة العالم

يعد نص (ابكِ كثيراً) امتداداً جلياً للرؤية التمردية التي طرحتها الكاتبة حول تفكيك القمع النفسي تبدأ الكاتبة النص باتفاق وميثاق مع أحلامها (عقد متين) لقلع حصون الخوف وتجاوز عبارات المنع والمحظور (الـ لا) التي خنقت التعبير وأخرست العاطفة وجلدت الوجد  يصبح البكاء في النص فعل شفاء وتطهر لا ضعفاً إنه وسيلة لإزاحة (بكتريا الأيام) وكل الانكسارات والنكوصات التي حاولت إلقاء الزهو والجمال الداخلي في بئر مهجور ينطوي الخطاب الموجه للذات (أسمعكِ أزيحي عنكِ) على صوت إعلامي وفني عارف بأهمية مواجهة الذات وإعادة ترتيب أوراقها وتطهيرها من رواسب الخيبة.

في نص (ديون) تجسد الكاتبة المفهوم الفلسفي والأنطولوجي للعدالة الكونية من خلال ومضة خاطفة ومكثفة يقدم النص تكثيفاً حاداً لمبدأ السبب والنتيجة (العدالة المطلقة) فالفأس التي قطع بها الحطاب جذع الشجرة هي نفسها التي ترتد عليه لتطيح برأسه. العدالة هنا تتجاوز المفهوم الإنساني الضيق لتصبح ناموساً كونياً شاملًا فالاعتداء على الحياة (الشجرة) يعود حتماً ليصيب المعتدي (الحطاب). النص يختزل مفهوم القصاص والديون المؤجلة التي لا بد أن تسددها الكائنات تجاه أفعالها –في نص (حرف الراء) تمارس هند كامل لعبة تفكيكية لغوية ونفسية بديعة– تقدم الكاتبة نصيحة مخلصة تحذر فيها المرأة من الارتباط بقطبين: المحارب (المنهوب من قِبل الحرب والموت والدمار) والشاعر (المنهوب من قِبل الحب والمجاز والجنون)

تلتقي الكاتبة ببراعة الحرف المشترك بين المفهومين (الراء في الحـرب والحـب) وتجعل منه أرجوحة قلقة ومتأرجحة بين خطرين. الراء هنا هي المساحة الفاصلة بين دمار المعركة وشجن العاطفة وهي الأرجوحة التي تهدد استقرار المرأة وتغذي قلقها وشوقها الأبدي.

في نص (تصفية حساب) تعود الكاتبة إلى مفردات العالم المعاصر (الحسابات- الأرباح- الرصيد) لتعبر عن خيبة الأمل العاطفية- تُشبّه الكاتبة إيداع السر والعاطفة لدى الآخر بعملية إيداع مالية في حساب شخصي غير أن النتيجة كانت مخيبة للآمال.

الحساب المجمد يتحول الربح المتوقع إلى مجرد (اسم) وحساب مجمد لا يقدم ولا يؤخر في إشارة إلى جفاف المشاعر وعدم تكافؤ العطاء بين الطرفين واستحالة جني ثمار عاطفية من تجربة جُمّدت فيها الحيوية. على الرغم من أن الكتاب يصنف ضمن الأدب النثري إلا أن لغة هند كامل تتمتع بإيقاع داخلي وتدفق شعري واضح (استخدام الجناس- التضاد-البناء التكراري- والصور المتلاحقة). بحكم خلفيتها الفنية والدرامية والإعلامية تمتلك الكاتبة القدرة على (مسرحة) الكلمة وتحويل المشاعر المعنوية إلى صور مرئية ملموسة (حركة الفراشات نزيف الحبر- الثلج والضباب- المعطف- والمرآة) تعتمد الكاتبة على النصوص الخاطفة المكثفة (مثل -ديون- و-تصفية حساب) التي تؤدي وظيفة الصدمة الشعورية وتترك مجالا واسعاً للتأمل مع تحويل الأشياء اليومية والعادية (المعطف- المرآة الفأس- الحساب البنكي- حرف الراء) إلى مفاتيح رمزية تفكك أسرار النفس الإنسانية يقدم كتاب (الحياة كجملة ناقصة) للفنانة والإعلامية القديرة الدكتورة هند كامل شهادة إنسانية رفيعة المستوى وتجربة إبداعية تتجاوز السرد التقليدي إلى الفضاء التأملي والفلسفي المفتوح. إنه ليس مجرد تداعي ذكريات بل هو مشروع أدبي متكامل يرتكز على التكثيف اللغوي والانسجام المدهش بين الشكل والمضمون وتطويع الرمز–كتابٌ يُكتب بدم القلب وعنفوان التجربة يعري آلام الاغتراب وقسوة المنفى ويتغنى بالحب والحرية ويحتفي بالنقص كشرط إنساني نبيل يجعل من الحياة رحلة أبدية للبحث والاستكشاف. نجحت هند كامل في أن تجعل من حروفها (نصباً للحرية) ومن صمتها صوتاً يتردد صداه في وجدان كل من ذاق طعم الغربة أو اكتوى بنار الذاكرة لتظل هذه الجملة الناقصة هي مكتملة البهاء في سماء الأدب التعبيري الرفيع.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان