تأملات في قصة (خليفة في الخيال) للكاتبة زاكيز الزينل سوسن يحيى قاسم
خليفة في الخيال قصة قصيرة، ولكنها طويلة في مداها الإنساني والروحي، إذ تسمو بنا القاصة الواعدة زاكيز الزينل في فضاءات أفكار لها وقع وجداني، دائمة الترحال، في رحلة ذات أسفار وجدانية، لها محطات ومفارقات نبيلة بين عزة النفس والكبرياء التي تصون مقام الإنسان، حين يرفض أن تتحول صفة الإباء إلى قيدٍ يستعبده ويحول بينه وبين مواجهة الواقع. إذ تتجلى في محنة فؤاد، بطل القصة، وهو صاحب شخصية مشيدة بالقوة والاعتبار، فهو يتجاوزها إلى معنى أعمق وأدق، وهو أن الكرامة لا تكون في عدم الاعتراف بالسقوط، وإنما في امتلاك شجاعة النهوض مرة أخرى.
مسار متدرج من الزهو والاعتداد إلى الانكسار والمكابدة، ثم إلى البصيرة واسترداد الذات. وهذا التحول يضفي عليها كثافة نفسية واجتماعية، تبحر وتغور في أعماق الوجدان، يسمو بنهوض عجيب، يرسو بثمرة تجربة قاسية لخسارة مادية، لا مجرد انعطافة مفتعلة للانبهار بالنهايات، لتجسد لنا أن ليس كل زوجة لها هذا النبض الإنساني الصابر المكابد في تقلبات الزمن. إذ تنتقل الحكاية من امرأة تحاول الاختباء خلف سطوة وأنفة زوجها التاجر المشهور، الذي يخفي خسارته المادية والمعنوية، دون آثار انكسار، فتنتقل إلى شريكة حقيقية في الكفاح والصبر رغم الحاجة والعوز، ولكنها تواجه اعتداد زوجها بألم الواقع المرير، وتزداد هذه الدلالة جمالًا وإصرارًا حين يدرك فؤاد أن المحافظة على مكانتها ليس منّةً منه، بل وفاءٌ لمن ثبتت إلى جواره حين جافاه الثراء.
ونعيش في القصة مشاهد في قمة الذروة في الصراع النفسي، منها أجواء الفجر الصماء، وهي تحاول الإصغاء لصدى هذا الصراع بين هيبة الماضي وضرورة الحاضر، وبين صورة الرجل في أعين الناس وحقيقة مكانته أمام نفسه وأهل بيته. وهو المشهد المحكم الذي تنفتح عنده عمق الوعي في نفس فؤاد، فيبدأ بالتفكير الجاد للخلاص الحقيقي.. في أنحاء الزوج لزوجته دون انكسار، بل اعتراف بالفضل وإقرار إجلال بجميل الوفاء. وهي صورة تختزل رحلة الشخصية بأسرها، فالرجل الذي كان يعدّ الانحناء أو مجرد طلب العون والمشاورة انتقاصًا من الهيبة، أدرك أن بعض التضحيات لا إذلال فيها، بل سمو بشأن صاحبها، بل إنها تشمخ به في مقام الإنسانية، والإيفاء بعهود المسؤولية الأسرية والعرفان بمواقف العمر وشركاء الروح.
لقد عبرت القاصة الزينل وبنفسٍ ذات أسلوب مشحون بالصور والاستعارات، بزخارف بلاغية عميقة، قد ترنو من حجب المعنى في بعض السطور، ولكنها تجعل القارئ ينتقي ويكتشف بنفسه الصور الأشد إيحاءً ما بين تلك السطور، وهذا ما يُفسح بين حيرة تولدت من عذوبة الغموض وبين المجال من سكينة الاستيعاب عند كل من تلقن طريقة كتاباتها بحرص يجعل النص فخمًا دون تكلف، لأن الإيحاء أحيانًا أبلغ من التصريح، والصورة الواحدة أرسخ من صور متوالية تؤدي المعنى نفسه.
وترتكز نهاية الحكاية على عمق البعد الإنساني، فهي لا تنتهي بالفوز المادي فحسب، بل على التغيير الذي حصل من الداخل. فالكبرياء وحده لا يصنع حياة كريمة، دون الشجاعة والجرأة في التغيير.
لقد أجادت القاصة في إبراز دور الزوجة وحتى النهاية، وليس مجرد شخصية مساندة، بل طبع نادر للوفاء، والصبر والثبات لتجاوز محنة الفقر، وكيف إنها أحيت روح الانتقال للذات لشريك حياتها، وجعلته أن يمعن النظر في نفسه وللحياة، لتبهرنا بهدوء التأمل بإيحاء صوري شفيف بأن النجاح نتيجة لتجربة طويلة من الألم والتعلم، دون الاعتماد على الجاه والحظ أو انتظار الحلول المفاجئة.
لتسمو بفكرة أساسية، وهي أن الكرامة لا تعني أن نرفض الواقع وتقلبات الزمن، بل أن تواجهها بصلابة المحاولة، والتي لا يمكن أن تنمو في دواخل الإرادة ولا تتجسد وتترجم دون الشعور بمواقف رفيقٍ يظلّ سندًا لنا في تقلّبات الحياة، يشاركنا أفراحها، ويشدّ أزرنا في شدائدها، فلا يخذلنا حين تضيق بنا الأيام. إنه سحر الوفاء الحقيقي الذي يصنع المعجزات ويعيد أمجاد الروح.








