ثقافة شعبية

عن قصائد الشاعر الشهيد رحيم المالكي

يعتبر الشعر الشعبي أحد الروافد الثقافية المهمة في العراق , وذلك لجمهوره الواسع من جميع الطبقات , فجمهوره يبدأ من النخبة وصولا الى الناس البسطاء , وذلك لسهولة اللهجة المحكية وبراعتها في توصيل وتوصيف الحدث بشكل يشع بالجمال , وللشعر الشعبي في العراق شعراؤه أبتداء من الحاج زاير الدويج وصولا الى مهندس الحداثة للشعر الشعبي مظفر النواب وليس نهاية بكاظم أسماعيل الكاطع وزملائه من شعراء أستطاعوا أن يغيروا من نمط القصيدة الشعبية السائد وتحويل النص الشعري الى نص سؤال مفعم بالدلالات الجمالية والفنية. ولعل الشاعر الشهيد رحيم المالكي أحد أبرز الشعراء الذين صهروا كل تجارب الشعراء في بوتقة أبداعه, أما كيف فهو مايفصح عنه في قصائده وأن كانت تجربته لم تكتمل للاسف فقد ترك لنا فيضا من قصائده المفعمة بالصور الشعرية, ومستوى عاليا من الاحساس بالكلمة,في هذه المجموعة الكاملة لاعماله, والتي حاولت أن أكون فيها أمينا لتراثه الشعري من ناحية النقل ومن ناحية حذف بعض القصائد التي لاتمثله لانها كانت تقرأ في مناسبات وليست من قصائده المثبتة, عانيت كثيرا من ناحية مراجعة القصائد ولكن حسبي أن هذه المعاناة ستتحول الى كتاب يسيل معاني وجمالا بين يدي محبي الشعر الشعبي, في هذه المجموعة قصائد تمثل تجاربه الاولى في الكتابة, وفيها قصائد تنشر وتعرف لاول مرة, وكان لابد لي من أن أكتب سيرة مطولة له لبيان حياته كأنسان وشاعر وقد كتبتها مؤرشفا ابرز المحطات في حياته رحمه الله. والحديث عن شاعر مثل رحيم مهمة صعبة,ولكن لابد من الحديث وأن كان ليس بمستوى أبداعه وحياته المتوجة بالكبرياء والشهادة والالم,

 

حمدان طاهر المالكي

رحيم المالكي شاعر له حساسية وتلقائية بالكلمة لانه يعايشها ويتذوقها كخبز التنور الناضج, وهو من الشعراء الذين عملوا على أنضاج قصيدة شعبية مختلفة عن نظيراتها لها بصمتها وطعمها الخاص , في هذه المجموعة الكاملة لقصائد رحيم المالكي يتفاجأ القارئ بالدهشة لقوة العبارة وديناميكية الجملة الشعرية, وهو مايدل على قوة وبلاغة شاعريته المفرطة بالجمال والاحساس. لدى رحيم المالكي خصوصية متفردة في الصورة الشعرية ولنأخذ مثالا قصيدة الفرات حيث يقول
أنفرط عقد الدين وجروفك نشوف
وجان ممكن غرفه منك تلضمه
وهي صورة شعرية متماسكة الاطراف حين يصور شاعرنا الدين بعقد لؤلؤي ينفرط وعلامة تماسكه الماء والذي يصور بأن غرفه وهي قليل الماء كان من الممكن تعيد له القوة والثبات, فيها من الانزياح الشعري يعود بك الى حقيقة وجود الحياة بالماء
( وجعلنا من الماء كل شيء حي ). في قصيدة أخرى من قصائده الرائعة والمعنونة أربعين العمر وهي أسم لاحد مجاميعه الشعرية يقول ( وتكلي عوزك صبر مرتاح وتكلي, متعوب شصبر بعد , ماردت منك غلب, بس ردت أكض حلي, ) في هذه القصيدة الشجية بيان أنساني عن اللوعة والاسى التي عاشها الشاعر وفيها أيضا نبؤة
فالشاعر أستشهد في منتصف الاربعين , وهو هنا يتحدث مقسما حياته الى أربع مراحل , مرحلة اليتم حيث يقول ( عشرة طفولة ويتم مقفول باب الفرح ودموع يجرلي) , وعشرة أخرى ( وعشرة لان ممتحن جنت أمتحن يطلع غلط حلي ) , والمرحلة الثالثة والرابعة هي عشرين سنة مابين حرب وجوع , يقول خاتما قصيدته ( ذني أربعين العمر بس عشت منهن سنة وتفرهدت كلي ) . ومن الصحيح القول بأن رحيم شاعر مثخن بالحزن والفجيعة لان هذه القصيدة وغيرها دليل واضح على معاناته الانسانية الكبيرة . في نص أخر يعود بنا رحيم الى النص التأملي الذي ينشط الذاكرة
ويداعب القلب بريشة الوجد في قصيدته الومضة (لاتكول جدامي ملن والدرب كلش طويل , مومثل ليل اليمركم , ليلي ليل, ليلكم كمرة ومسامر, ليلكم عنبر وهيل , ) ثم يقول بأسى مشفوع بحزن العشاق الكبار ( ليلي يركض وره الغبشة , شما وصل يمها تشيل, أنه مكتول بهواكم , هم شفت ميت يعيل ) ولعل هذا النص يسلط الضوء على جانب من جمالية وفنية الصورة الشعرية عند الشاعر , فالشاعر مثل الغواص وهو يدخل البحر بحثا عن الدر والمرجان , وما أكثر سلال رحيم الممتلئة بأنواع الدر, لشاعريته المرهفة كشاعر قصيدة لايشق له غبار , فهو متمكن في بناء قصيدته بناءا هندسيا معماريا , تضم في طياتها نقوشا فسيفسائية ,تأخذ القلب نحو أفياء الشعر الوارفة , تلك الافياء التي غرسها رحيم بموهبته الفذة وسقاها بأحساس قل نظيره , ويبقى رحيم المالكي أحد الشعراء الكبار رغم حياته القصيرة , لانه أستطاع أن يوظف ماتخزنه الذاكرة من الم وطيبة وحب ومعاناة , مؤرخا بذلك مرحلة مهمة من حياة الانسان العراقي, وذلك ما يجعله راسخا في قلوب وذاكرة الاجيال كشاعر وطني كبير …..

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان