ثقافة شعبية

دراسة في الأدب الشعبي لشعراء مدينة الناصرية

الحلقة الاولى

احمد داخل السعداوي

 

الأدب الشعبي لون من ألوان الفنون زاخر بنماذج رائعة تغوص في أعماق وجدان الشعب , يختلف عن الأدب الفصيح فالأدب الفصيح , يلتزم قواعد لغوية ونحوية , والأدب الشعبي أكثر ارتباطا بالناس فهو واسع الانتشار ويكثر ناظموه والعاملون فيه
ولكن تبقى الموهبة , الشاعرية وخصوبة الخيال والوزن والموسيقى , معيارا في خلق المبدعين منه , والأدب بصورة عامة قديم قدم الإنسان , ويرتبط به ارتباطا وثيقا , فقد وجدت الكثير من الألواح السومرية تحكي قصة هذا الأدب .والشعر سيد الفنون الأدبية ورسائله التعبيرية والاجتماعية وقد تتغير طرائق نظمه ولونه وصوره حسب المناخ والبيئة التي يعيش فيها الشاعر إضافة إلى ثقافته ووعيه) لقد عرف الإنسان في الجنوب بحزن شفيف متجذر يتعايش في أعماقه منذ آلاف السنين , وبسبب التغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي وسمّته بهذا الحزن , والتي طرأت على واقعه , وهي دوما ليست بصالحه , ولهذا السبب أفرز الأدب الشعبي طاقات شعرية كرسائل تعبير , تعكس ظرفه ومناخه , وللبيئة دور كبير في صقل الموهبة وخلق الإبداع , فمدينة الناصرية , كما هو معروف عنها تمتاز بتنّوع ديموغرافي , من سكان حضر , , وريف وبادية , وسكان أهوار , جعلت تلك التركيبة السكانية تنصهر في حالة واحدة لتشكل مجتمعا متكاملا تفجرت فيه الثقافة بصورة مبكرة جدا.كما في هذا المقطع قصيدة الجثة والدود للشاعر عريان السيد خلف ( 1979) خليني أعله بالك طيف لو عادت أيامي أيعود
أو خليني أويه دمك شوك من شوكي البلاية أحدود
ومحالل بعت وشريت بيهن والعمر معدود
أو موندمة الغزالة أتطيح صيدة أبشبجة الصايود
لا جن يالعزيز الحيف عالصايد يكع مصيود
لو ذيج الليالي أتعود
أو لوشطنه الجزر يومين خنياب أويرد صيهود
جنت أصرخ يشط الطيب, يهل الغراف ما تغسل أكلوب السود
والفرات الذي يحل ضيفا على هذه المدينة , بعد أن يسترخي عند شواطئها قبل دخوله مدنها الأخرى , لتنسلخ من رحمه العديد من الجداول , ينسج رحما واسعا عند الأدباء والمبدعين فتجدهم في حالة مخاض مستمر , وأهوار جميلة ساحرة بمناظرها متخمة ببرديها , والحياة العفوية عند أبناء الريف , وطرق عيشهم البسيطة , التي تعتمد على الصيد والزراعة , شكّل ذلك لوحة واقعية جميلة تشبع الخيال وتزيد الذاكرة طراوة وتفتق القريحة. كما في هذا لمقطع للشاعر كريم الشويلي:
 اعله وجه الماي…أرسمني وأرسمك فوك وجه الماي
ورسمت آنه حبيبي وما رسمني وياه عاتبته أخذني وكال أمشي وياي
ورحت وياه … وشفت الروج رايح جاي
وصفنت آنه أباوع عالنهر والماي
وشفت أوجوهنه أعله الماي مرسومات بعد لحظة أجت روجه أنكسر بيها الخيال وضعنه وي الماي
 جناسات الأدب الشعبي
 يذكر الباحث ماجد كاظم علي أن للأدب الشعبي جناسات متعددة كما للأدب الفصيح , لكن بواكير تلك الجناسات كانت الأبوذية, بمضمونها العميق ومراميها البعيدة, وهي تعبر عن الألم الدفين في الذات الإنسانية , والتي أخذت من ترنيمة الأم لطفلها أثناء النـوم .ويعتبر المرحوم حسين العبادي في الرعيل الأول من مؤسسي هذا الفن:
سمر لو بيض معجبني شكلجن
تموجن ماتكللي شكلجن
لون واحد عله حالي شكلجن
طريح ابشوكجن وسلال بيه
قال العبادي هذا البيت عندما كان جالسا في بستانه بعدما أنهى عمله ليستريح, فمرت عليه أربع فتيات وهن يتجاذبن الحديث عن الحب والزواج فسمع ألعبادي بذلك فأجابته أحداهن قائلة:
 أشتبي منا تسايلنه شكلنه
 ورد جوري أبوسط جنة شكلنه
لوّن واحد عله حالك شكلنه
عصرنه الزلف وأعطيناه ميه
وفي مجال الأبوذية أيضا هناك ما يعرف بأبوذية الألغاز وهذا الجنس يجرى عادة في أيام شهر رمضان الكريم وبعض الأماسي الصيفية.أذ ينّظم أحد الفريقين المتباريين في الجلسة أو الأمسية بيتا فيه لغز , فيرد الفريق الآخر بيتا من الشعر فيه حل لهذا اللغز في البيت الذي طرحه الفريق الأول:
شنهو اللي لا رجل عنده ولا دين
 أو شنهو اللي يولد بسنته ولادين
أو شنهو اللي ما عرف ربه ولا دين
وشنهو الماينام الا أبتجيه
الحية اللي لا رجل إلها ولا دين
السدر اللي يولد بسنته ولادين
والطفل اللي ماعرف ربه ولادين
والفيل اللي ما ينام الا أبتجيه
بعدها تعددت جناسات الأدب الشعبي وكثرت ومنها الدارمي والتجليبة والميمر والموال والمربع الكلاسيكي وقصيدة الومضة والملمع وأشهر شعراء الملمع في الناصرية الشاعر عبد الأمير الحيدري من قضاء الرفاعي حسب ما ذكر لي الباحث ماجد كاظم علي , إضافة إلى الجلمة ونص والقصيدة المطولة بأنواعها المختلفة التي تطرح اليوم بجناس جديد متداول بشكل واسع حسب ما ذكر لي الباحث فلاح الياسين (( أنواع أخرى تمس قصيدة المنبر وقصيدة المنصة وهناك القصائد الرمزية والمباشرة والأولى تحتاج إلى جمهور نخبوي أذا صح مثل هذا التعبير لفك رموز القصيدة , أو فهم محتوياتها وتحتاج إلى مزيد من الثقافة والوعي عند الشاعر والمتلقي معا.وهذا مقطع من قصيدة رمزية جميلة للشاعر كامل سواري من ديوان (( من يشتري )) ط – 2006
القصيدة أبروحي مهرة وحيل تردسني ردس
تصهل الميدان ضيّج والعنان أتكطع وطك الضرس
جتفاها أجتاف شريان الكلب ودفوع فوع الغيض بعيونه خرس
خاف أهدها أطفالي قصّر مايحملون الرفس وخاف أهدها الجار يخبر وأنحبس
فضلا عن أن هنالك القصيدة المدوّرة التي وظّفت في شعر شعبي وأبرز شعراء لون الشعر المدّور الشاعر حسب الشيخ جعفر , وبغير لون وطرح جديد في القصيدة الشعبية مما يدل على أن القصيدة تستقبل أي نوع وتكنيك يطرأ على القصيدة الفصيحة , وابرز من كتب هذا الجناس في الناصرية الشاعر مسلم عباس الطعان:
 أحسّك هم الي ترجع نغم وسوالفه ابروحي شهد
عشرة طويلة أطيورها أولايةعزف بيها الحزن بوتار المعاتب لحن لهفة…
وضوّة مسيّر دليله أبظلمة الوادم يعت روحي أوتلمني أبدرك الصدفة
علي واجب أضم أطفال بوساتك بدلالي وأرضعهم حليب مسامر الشفة
لوّن بردان طب موكد ضلوعي ونام وأدفّه

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان