ثقافة شعبية

دراسة في الأدب الشعبي لشعراء مدينة الناصرية

الحلقة الثانية

 

احمد داخل السعداوي

 

…وهناك فن شائع آخر من جناسات الأدب الشعبي وهو منتشر في الريف انتشارا واسعا انتقل منه بعد ذلك إلى المدينة يسمى (الأهزوجة ) وفن الأهزوجة الذي أخذ مساحة واسعة من الأدب الشعبي خاصة عندما وظّف الشعراء جهودهم في أظهار أغراض الأهزوجة كالحماسة مثلا , وذلك من أجل شحذ الهمم إضافة إلى أغراض أخرى كان يرتجيها شاعر الأهزوجة مثل أصلاح البين حسب ما ذكر لي الباحث فرقد الحسيني إذ الكثير من منظمي فن الأهزوجة في المناطق الريفية وذلك لحاجة هذه المناطق إلى هذا الصرف الاجتماعي على اعتبار أن المجتمع الريفي مجتمع جماعي متماسك تبرز فيه صلة القرابة والأخوّة والدم وقد تختلف أهزوجة أهل الجنوب عن باقي أهازيج أقسام العراق الأخرى مثال في الأهزوجة الحماسية فزع من هدّم أسوار الكون والدنية غدت جنة وفزع ياشيلة الطيبات والغازي انتقم منهفزع ياهيبة الزينين وياطيبة ريحة الحنة ها.. وبدم الغالي أتحنينةهذه الأهزوجة التي ألقتها النسوة في التظاهرة التي خرجت في الناصرية يطالبن بعدم إعدام البطل نائب عريف فزع عليّخ الذي أتهم بقتل القائد البريطاني جيفرز في الحادثة الشهيرة التي وقعت في أحدى مقاهي الناصرية في أربعينيات القرن الماضي أغراض الأدب الشعبي:أن أغراض الأدب الشعبي كثيرة منها الغزل والوصف والرثاء والتفاخر والحكمة والاعتزاز بالنفس , وقد برع العديد من الأدباء وتعدت أغراض الشعر الشعبي لديهم (( وفي ستينيات القرن الماضي برز شعراء كبار في الناصرية , أصبحوا فرسانا للقصيدة المطولة , مثال , زامل سعيد فتاح وفايق عبد سعدون وعريان السيد خلف وكاظم ألركابي وجليل العضاض وعادل العضاض وجبار الغزي وآخرين. وفي مقطع من قصيدة للشاعر عريان سيد خلف يرثي أخاه في ديوان صياد الهموم ط 1996
يا لعب الطفولة ويافرح صبيان
ويا ماي أنجفه وللجدح شيردك
عفاني أشلون أواكح وانته ضي العين
وايدي على التراب أبرهدنة أتوسدك
يا خيالها ودنك عليها أبزود
لا هديتها ولا رادت أتهدكم
هي طبع الشهادة أبذمة الطيبين وأنته أرسومها من أول مهد عندك
وهناك الكثير من الأغراض التي تدخل في الأدب الشعبي لصلته الوثيقة بالإنسان وما يلاقيه من المتاعب والهموم وهو خارج أطار الغزل والوصف , فهناك الغرض الايماني بتضحية الأمام الحسين – ع – في واقعة الطف المشهورة , وقد استلهم الأدباء من ملحمة الطف الخالدة شعرهم , لما تحمل تلك الواقعة من صور البطولة والفداء وقضايا إنسانية عامة ولوحات بكائية صادقة ونبيلة لمواقف أبطالها وهم يستعرضون بطولاتهم في القتال تبقى تلازم الإنسان في كل العصـور والأزمان .كما في هذا المقاطع الشعرية للشاعر الشاب رعد الناشىء:
 اذا كلت الكمر يعني لي عباس
لأن خط الوفه عباسنه أبدمنه
ولأن شال الفرات وطكه بالكاع
 وسحل بيده الجروف وداسها أبجدمه
ما يعطش كمر مبخوت هيهات
يشرب من ضواه ويكتفي أبحلمه
أذن سيف اليجيلك ينزف عليك
لأن ضرب المنارة ايولد الثلمة
وهذا مقطع آخر للشاعر المبدع الشاب علاء الياسين
يتراب المارضه ايغطي الحسين
وياقضية المايخلصها الحسم
أحسين لو ماراد دفنه أمن التراب
 السماء جا نزلت اتغطي الجسم
أحسين ظل أيام جسمه أعله التراب
وهاي عند الناس صارت مشكلة
ما رضه أيغطي الجسم ليش التراب
 لأن وي أحسين مات بكربلا
وتالي سألوني أندفن بيش الحسين
وجاوب السجاد حل المسألة
 التراب أمن السماء لأجل الحسين
دفن مو بس الجسم كل كربلا
وتالي بيش أتغسل أنثار السؤال
 أحسين طاهر ما اظن أيطهره ماء
أمن الجنان ونزلت أدموع الرسول
ومو فقط للغسل بل نصبت عزاء
 أثر الدواوين والمضايف في الأدب الشعبي
أن الأمكنة التي تعقد فيها جلسات السمر هي التي ساهمت في حفظ الأدب الشعبي في الناصرية فضلا عن الدواوين التي أعدّت لهذا الغرض والتي كانت تعقد فيها الأماسي وحلقات النقاش والمداولة , لأن الأدب الشعبي كما ذكرنا في بداية هذه الدراسة قديم وأكثر الناظمين فيه أناس بسطاء جمعوا عدتهم من أجل الثقافة الحرة النزيهة وقطعوا أشواطا طويلة مملوءة بالتجارب والعبر والكثير من ألأدب الشعبي يقال على السليقة فالجيد منه يحفظ ويبقى في أذهان الناس , ولعدم وجود وسائل للنشر في السابق كما هو اليوم فقد ضاع الكثير منه … وقد ساهمت الجلسات الشعبية والمقاهي في المدن لحفظ العديد منه وكذلك الدواوين الأدبية المختلفة ساهمت في حفظ بعض أنواع هذا التراث وتدوينه ومن هذه الدواوين في عموم محافظة ذي قار , ديوان آل ياسين وديوان مهدي الأخرس في قضاء الشطرة وديوان آل حيدر و آل حمدي وديوان آل حمودة في سوق الشيوخ وغيرها من الدواوين المعروفة في مدينة الناصرية , ديوان سيد محمد ألباقري وبيت العضاض , وديوان الحيدري في قضاء الرفاعي , وأماكن أخرى من أقضية ونواحي المحافظة , كالجلسات في المضايف في قضاء الجبايش مثلا , وهناك أيضا فن السجال الذي يعد من أهم وسائل انتشار الأدب الشعبي ونقله ويساعد أيضا في تحفيز الشاعر على الكتابة وتفتق قرائحه , والمساجلة بين الأدباء تحدث عادة لطرح ومناقشة مواضيع اجتماعية عامة , وتكون بين شاعرين عادة وأحيانا تتسع الدائرة إلى أكثر من ذلك فنجدهم في النهاية متفقين أو مختلفين (( ويضيف الباحث فرقد الحسيني أن المساجلات كثيرة تخص الأبوذية في الغالب كما حصل بين الشاعر المبدع أبو معيشي وشعراء آخرين من مدينة سوق الشيوخ ومدينة الشطرة والتي يرتبط شعراؤها بعلاقات طيبة مع شعراء مدينة سوق الشيوخ حيث تعقد الجلسات فيما بينهم بين الفترة والأخرى مثال ذلك / حيث بعث الشاعر أبو معيشي بهذا البيت إلى ألأديب حمدي ألحمدي يشكو له حاله بعد ما حلت نائبة عندما شب حريق في بيته
مر وكتي عكب ما جان حالاي
وسيل اللي نزل بالدار حالاي
تعال أنته يحمدي وشوف حالاي
الجمر والنايبة أنطبكن سوّية
فأجابه الشاعر حمدي الحمدي
 سبحانه الذي ما يوم ينكاب
ولا دمعه عله الخدين ينكاب
الوكع بالنايبات أو صبر ينكاب
 لعند الله وتجيه المرحمية
وفي البيت الآخر ايضا يشكو الشاعر أبو معيشي تردي حالته الصحية الى صديقه كاطع آل مبارك فيقول:
أوّن ونار البيوفي لهدواي
سهرت الليل من عشوة لهدواي
كل الناس علته لها دواي
بس آنه أدواي براس حية
فرد عليه كاطع آل مبارك:
وحك اللي أعتنتله الناس حيا
سهرت الليل لأجل الترف حيه
انجان أنته دواك براس حيه
آنه أسم الدوه ضايع عليه
يصنّف الأدب الشعبي في مدينة الناصرية حسب ما ذكر لي الباحث ماجد كاظم علي إلى أربعة أجيال ومراحل , منذ أبتكاره إلى اليوم , وهم جيل المؤسسين الذي يضم رعيلا من الأدباء والشعراء المبدعين الذين وضعوا حجر الأساس له وهم , حسين العبادي , أبو معيشي , حمدي الحمدي , مطر آل ظاهر , الحاج هلال الحسن , ثامر الحمودة , عبد الواحد الهلالي , هاشم آل فليح و مطشر آل شليج , علي آل موسى , الحاج علي نوري البازي ( أبو محمد ) الحاج عودة ناهي ألسعيدي , الحاج نجم الشكرجي ,و سيد مهدي الفحام وآخرون.وجيل الرواد الذين أضافوا شيئا اليه ليصبح أكثر حداثة وحلاوة , مثل عريان السيد خلف , زامل سعيد فتاح ,فايق عبد سعدون , شاكر الخباز , جبار الغزي , عبد الأمير العضاض , عادل العضاض , جليل العضاض , مجيد جاسم الخيون , كامل سواري , زهير الدجيلي , إسماعيل محمد إسماعيل , كاظم ألركابي وغيرهم من الذين حفرت قصائدهم في ذاكرة محبيهم إلى اليوم.جيل ما بعد الرواد وهي الفترة التي تمتد منتصف السبعينيات إلى يومنا هذا وهم , رحيم الغالبي , فاضل ألسعيدي , مسلم الطعان , شاكر غالي , قاسم البديري , أحمد ماضي , شاكر حنون , كريم الشويلي , حسين جهيد ,صبري السعدي وآخرون وتعتبر هذه المرحلة حلقة الوصل بين جيل الرواد والشباب اليوم, وجيل الشباب الذين يعتبرون اليوم امتدادا للذين سبقوهم فقد كتبوا ووظفوا شاعريتهم في فنون وألوان عديدة , وهم علاء الياسين و عماد العكيلي , جمال الأزبجي , حسين الجاسم , حسين الحسناوي , رياض الحار , ميثاق الهلالي , إيهاب المالكي , صادق سيد جواد , لطيف العامري , سامي الزيدي , حسين شوّيل التميمي , محمد حسن , غانم الفياض , عدنان ألركابي , جبار العامري , رعد الناشي , صبار الخفاجي , سعد الزركاني , نعيم رمضان , أحسان كاصد , علي القصير , علي الملّه , حسن الشنان , حسين مفيد ,ضياء المياحي , إبراهيم العامري , كمال الناشي , فاضل المياحي , عباس الغالبي , حيدر الحمداني , حيدر الموسوي , واخرون.
 لقد تأثر الأدب الشعبي في عموم العراق بالفترة المظلمة للعهد السابق فقد جهد النظام إلى اختراق المؤسسات الثقافية بكل صنوفها وزرع العيون داخل أروقتها لمراقبة كل ما يكتب , فضلا عن ذلك تضييق الخناق على المثقفين والأدباء والكتاب , لاستقطاب قسم منهم ليصبحوا مداحين للنظام بعد شراء ذممهم بالأموال , وقد نجح في ذلك إلى أبعد الحدود خصوصا في مجال الأدب الشعبي على اعتبار أن الأدب الشعبي أدب مقروء مسموع عند عامة الناس , ولكن بقي أدب الموقف وصاحب الكلمة الصادقة كالطود الشامخ يكتب وينظم للقضايا الإنسانية التي وظف من أجلها لا لمدح الأشخاص أو تمجيدهم.يمتاز الأدب الشعبي في الناصرية عن غيره من محافظات العراق الأخرى في طريقة كتابته ونظمه وتعدد مدارسه كالمدرسة الرمزية والسهل الممتنع وقصيدة القصة وقصيدة الرواية ولكثرة الشعراء وعمالقة الأدب الشعبي وتراث حافل بالانجازات الأدبية والتواصل بين ألأدباء من خلال المنتديات وجمعيات التراث الشعبي ولكثرة الأماسي , كل ذلك ساعد في ديمومة الأدب واستمرار يته فكل جيل يأتي يتسلم الراية من الجيل الذي سبقه ليبقى الأدب الشعبي في الناصرية هويتها البارزة وسفرها الزاخر بالعطاء والانجازات الثقافية لأنه جسد لوحة متكاملة من ماض تليد وحاضر ولود ومستقبل مشرق.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان