حاوره- نجم عبد خليفة
حين تراه لاول وهلة تجده يحمل رقة شعره وعنفوان آلامه، تفيض جوانبه بالبساطة والدفء ولون السمرة الجنوبية المنداة بزهو الشمس والسنابل والمواويل والمفعمة برائحة الماء والطين .قلبه كأسراب طيور مهاجرة، يصوغ احلامه معاضدا لمعاصم الحسن والمحبة واحلام (حفاي الصرايف) عبر قصائده الدامعة والمسكونة بالانسان والمراة والجمال اوجاع روحه تحيل الصخور الصماء الى ينابيع عذبة سائغة للشاربين، كلماته همهمات صوفية لمعابد العشق تفوح منها رائحة البخور والوطن وعيون الحبيبة ومعمدة بماء النهرين ونسائمها المسافرة يتشربها الشعر ليشكل مملكته وهاجسه اليومي وانسام رئتيه ونسغ احلامه الحاضرة والماضية والمؤجلة.
استطاع ان يجمع منذ فجرة الشعري بين الشعر والحرية والمباشرة في الطرح بعيدا عن التهويم في الفراغ او الصراخ في الاودية،يعيد صياغات الاشياء بصورة اكثر قناعة الشعر عنده اصلاح وترميم ومنبر للمسؤولية وعملية خلق وابداع واستحضار للحلول والاجوبة لتساؤلات الانسان المحاصر بهواجسة وغربته.
كانت هذه آهات الشاعر كريم راضي العماري الذي حل على (الحقيقة) ضيفا مبدعا وانسانا عبر هذا الحوار:
*اصدرت الكثير من الدواوين بالاضافة الى القصائد المتفرقة التي لم يضمها ديوان.الاتعتقد انك قلت كل شي واكتشفت كل شي..؟
– مهما اصدرت وقلت اجد نفسي في بداية الطريق ولم اقل شيئا بعد ولم اكتشف عوالمي المنشودة لحد الان وكلما توغلت في غابة الشعر كلما اكتشفت شيئا جديدا فليس هناك حدا للشعر ولا افقا يحيق به فعملية الخلق لا تنتهي معالمها تجود بالابداع والتجديد والدهشة وتضج بالمضامين المبتكرة التي لم تكتشف بعد.
* هل تعتقد ان الشعر الشعبي في خطر امام التحديات الحداثية ومحاولة الابتعاد عن العامي من الافكار والالفاظ عبر مفهوم (الادب الرفيع)..؟
-الشعر الشعبي كان ومايزال مغبونا لم يقف على قدميه امام الفصحى بالرغم من الآراء الجادة للمثقفين والكتاب وعمالقة الادب في تشخيص ضرورته واهميته في دوره الانساني الكبير في الحياة اليومية ولكن معتنقي فكرة (الادب الرفيع) ذلك الادب المتعالي عن هموم العامة ومعاناتهم وارستقراطية تفكيره ازاح الشعر الشعبي جانبا وانا اعتقد ان هذه الازاحة هي عقدة ثقافية لاغير يتبناها المتحذلقون والذين نجدهم في اغلب الاحيان في (ورطة) امام ابداعات الشعر الشعبي وخيالاته وتشكيلاته الثرية في الصور والتعابير والجماليات فليس هناك خطر على الشعر الشعبي فهو يقتحم الحصون والاسورة المنيعة ويتسلق قمم المعاني بيسر ووضوح.
* امتاز اسلوب قصائدك بدلالاته الخاصة والنفس الشعري المميز فهي (عماريات)كريم راضي العماري فقد منحتها افقا واسعا من الحرية والبوح فالى اين ستاخذك الحرية..؟
-الشاعر ابن البيئة فهي ترسم ملامح تشكيلاته المعرفية وتحدد الكثير من توجهاته فهو يعيش في ظل تحديات الحياة معتنقا الامها وافراحها منغمسا في يومياتها منحازا دون شعور بدوافع الحياة ورغبات الوعي الجمعي وهذا ينصب على ادوات الشاعر المعبرة وايحاءات كلماته البيئوية ونفسه الشعري الذي حددت نغماته اهات الناس ونبرات يومياتهم الفطرية كل هذه الاسباب مجتمعة منحتني الحرية والتي بدورها منحتها لقصائدي فالشعر ياتي من الانسان ويذهب الى الانسان.
* كشاعر وشاهد عصر الى اي مدى كان الابداع معبرا عن تفاصيل المجتمع اوجاعا وآمالا واستشرافا للمستقبل ..؟
-الابداع هو خلق الحلول والاجوبة لتساؤلات الانسان الغارق في يومياته عبر منظومات الفكر والثقافة فالشاعر هو المنظومة الجديرة بهذا التغيير الذي يبحر في ثنايا المجتمع ملتقطا آلامه ومشخصا لآماله ناشرا الحلول على شواطئ استشراف المستقبل وتطلعاته فهو متنفسه وحلمه ونجمته الهادية.
* الشعر نهر يغير امواجه في كل لحظة -كما يقول الحداثيين -كيف تنظر الى هذة الرؤيا ضمن منظار الحداثة فهل هناك حداثة بعد ماتوصل اليه الشعر الان ..كيف تتنبأ بذلك..؟
-ينهل الشعر مفاهيمه من البيئة سموا وانحطاطا اتساعا وضيقا ومع تغير البيئة تتغير المفاهيم وهناك دليل واضح عندما نتصفح تواريخ الادب فنجد الشعر شاهدا على العصر وذكرا ليومياته متماشيا مع كل الظواهر والتقاليد المستجدة ومعبرا عن الحاجات والرغبات التي يتبناها العصر الجديد وبهذا نلاحظ عبر المراحل الشعرية ظهور المعاني والمدلولات والمفاهيم الجديدة على مستوى الافكار والمفردات والصياغات ،فهو يغير امواجه تبعا لرياح التجديد والحداثة
* تصنع افكار قصائدك عبر اسئلة فاجعة هي اسئلة الانسان في مواجهة الواقع وحركة الاشياء وفي العلاقة بهذه الاشياء محاولا صناعة فضائك الشعري الخاص والذي هو فضاء انساني بحت.كيف تعلق..؟
-الشاعر هو مكتشف يصغي لكافة اصوات الحياة، همومه اليومية هي غذاؤه الفكري حاملا مصباحه ليبحث عن انسان فعندما تتهاوى المدارك وتهد حصون الانسانية وتحال الاحلام الى كوابيس هنا تظهر وظيفة الشاعر ومهمته الانسانية المسؤولة في رسم معالم جديدة لخارطة طريق الحلم محاولا رصف ماتبعثر وتقويم مااعوج وبث الحياة في الارواح الهامدة ليصنع فضاءات وارفة وكلمات من نور للهداية والانبعاث رافعا النقاب عن الجمال المخبوء معيدا صياغته الروحية .
* تدور قصائدك حول المراة حتى تكاد تهيمن عليها فهي حاضرة على الاغلب في كل قصيدة صراحة او ضمنا فهل المراة ضرورية في صناعة القصيدة. ومن هذه المراة..؟
-اذا لم تكن هناك امراة فلن يكون هناك شعر فالمراة هي المادة الاساسية في صناعة القصيدة فاذا غابت المراة عن القصيدة تصبح القصيدة بلهاء عبارة عن مدلولات باردة فاترة تفقد اريجها واناقتها فالمراة هي التي تحمل الشعر الى القصيدة وتمنحها موسيقى الحياة ونغمها الخالد، والمراة هنا في كافة وظائفها ودلالاتها الصريحة والضمنية والاستعارية تتشكل منها تعابير الحياة ومضامينها الوارفة للجمال والسكينة.
* نرى قد استغنيت عن الرتابة في الحياة وعن السياسة في حدودها اليومية وعن التقليد..؟
-الرتابة لاتخلق ثورة خلاف الحدة والتمرد اللذين يصنعان الحدث وينأيان عن التقليد والمحاكاة فالشاعر كائن منحاز لآلام الناس وللفعل الانساني على هذه الارض والمواجهة هي الصوت الانساني المنقذ لمعاناته فليس لمصطلحات السياسة مكان في ثنايا الشعر وقضاياه المصيرية فليس هناك شيء في الشعر يسمى فن الممكن اوميكافيلية القصيدة.
*في ديوانك الاخير وهو التاسع تتجلى نبرة (الغربة) و(الحزن) بصورة واضحة صارخة ولكنه حزن من نوع اخر حزن جميل مكابر تدفع طغيانه بكتائب الصبر والابتسامة..
-نبرة الغربة والحزن هي نبرة الاخرين فيّ فانا مستبطن لآلام الهم الانساني في اجوائه المفعمة بالدخان ونشيج الحزن واصوات الحزن اليومي وفوضى الواقع وضياع المعالم الدالة كلها انعكاسات لمرايا الشعرية فهو تشخيص يومي لاسقاطات واقع معتم لا يتخلله النور.
* كيف تستشرف الآن المشهد الشعري او الحالة الشعرية من خلال هذه الفوضى العارمة على مستوى الارادات الثقافية والفكرية..؟
– في زمن الفوضى تصبح القاعدة شواذ ولربما الشواذ قاعدة لكني ارى في المشهد الشعري لاينطبق مثل هكذا وصف فالشعر حافظ لنفسه متترس بدرع لايمكن اختراقه تحميه الذائقة الجمعية تلك الذائقة التي لا يمكن تزويرها او تغييراتجاه بوصلتها الذوقية مهما كانت الظروف ولكن نقول ان ركوب موجة الفوضى عن طريق الشعر فهو يؤرشف لفوضى الواقع لا لتدنيس نقاء الشعر وجودته ففي قمة الفوضى والانهيار ظهرت عمالقة الشعر في عصور تسمى تاريخيا بالعصور المظلمة كالمتنبي والمعري وغيرهم وهذا دليل على ان الفوضى لا تصيب قلب الشعر بل تصيب مناخه ومدلولاته فقط.
* ترتفع الاصوات عادة عند الحديث عن ظواهر التراجع في ميدان الابداع الشعري وتصل الى الشكوى عند غياب النقد كيف تنظر الى النقد في هذه المرحلة وماطبيعة العلاقة بين الشاعر والناقد..؟
– اذا غاب النقد ضاعت المعالم التشخيصية للنص الشعري فالنقد هو تسليط الضوء على مكامن الجمال وازاحة النقاب عن المبهم وكذلك كشف العلاقات والمقاربات مابين مكونات النص الشعري وبنائه وكشف خيوط الابداع وصياغاتها فللنقد اهمية كبرى في تهذيب المنتج الادبي والشعري ولكن نجد للنقد غيابا واضحا مما اتاح فرصة كبيرة للانفلات عن الكثير من مقتضيات النص ومتطلباته فالنقد ربما يضيف مضمونا اخر للنص من خلال قراءاته العديدة وكشف جوانب اخرى للابداع ربما غفل عنها الشاعر نفسه ناهيك عن مواضع الخلل والضعف والتنافر.









