رسول بلاوي
الشعر ديوان العرب يحفظ تاريخهم، ويتحدث عن امجادهم، و يسجل احداثهم و افعالهم المشرفة و قصصهم المعبرة، فهو مصدر حضارتهم و فخرهم، و يعتبر من اهم المراجع و مصادر الثقافة المهمة في حياتنا اليومية، حيث يتحدث عن المواقف الانسانية و يعالج القضايا الاجتماعية، فكل امة تعتز بتراثها و تحافظ عليه من الاندثار، و ما يهمنا في هذا الموضوع هو التاليف و حفظ التراث الاصيل لما فيه من فوائد و منافع سوف يستفيد منها المجتمع.
كما هو معلوم، ان الحياة تستلزم الموت، و الفرحة بالميلاد تقتضي الحزن بالفناء. والانسان طالما اسكب العبرات علی موتاه وانشد الشعر في فقد الاحبة و اطلق علی ما يصدر من شعر في هذه المناسبة الرثاء. فقد اشترك في الرثاء الرجال و النساء. و لكن النساء اقتصر شعرهن علی الرثاء، علی حين تعددت الوان الشعر التي يصدرها الرجال. و عمد نساء العرب الی بكاء الموتی كما يبكينهن نساؤنا اليوم، و سموا ذلك النوح.و كان النوح بالغ الاهمية عندهم، حتی اشتغل به بعض الرجال. فكان جماعة من مشاهير المغنيين في مبدا امرهم نائحين كابن سريج و الغريض.
ولا يتعدی شعر الرثاء مدح الميت بالفضائل العربية المعروفة في الجاهلية و الاسلام، و وصف ما يشعر به الراثي من حزن شديد، و ما احس به الناس بعد فقدهم المرثي، و قد يهدد الراثي اذا كان الميت قتيلا.
لم يكن النعي وليد هذا العصر او من مبتكرات هذا الزمن، فلقد كانت المراة او الرجل في العصور الغابرة تكرر كلمات التوجع عند الفجيعة، وفاق لطم الوجه و اللدم علی الصدر و الشهيق والزفير و هي اذا ندبت ترفع صوتها مرة و تخفضه اخری تبعا لتوازن احساساتها و يتخلل كلماتها او حروفها نشيج و انقطاعات قصيرة كما تفعل المراة القروية في الارياف و البدوية في الفلوات. والنعي هو الفن السامي الذي يحتفل بمخزون لغوي لا يستهان به و يستند الی خلفية تراثية.
و للنعي نساء اشتهرن باجادة هذا النوع و برعن فيه.و قد اتسم هذا النوع من الشعر بالعاطفه الصادقة و الاحساس المرهف ففي البيت التالي نستشف هذه الخصيصة البارزة:
راحت احلوگ وظلت احلوگ
او راحت احلوگ التطلع احگوگ
او ظلت احلوگ الما اتلوگ…..
في هذا البيت فضلا عن العاطفة الجياشة نری الناعي عمد الی تكرار كلمة(احلوگ) خمس مرات للحفاظ علی موسيقیالبيت.و جاءت الموسيقی في خدمة العاطفة كما ان اللفظة المتكررة في البيت- اعني (احلوگ)- فيها مجاز جزء من كل وذلك لان الانسان لا يقدر علی مطالبة الحق الا بالحلق(الفم) ف(راحت احلوگ) يعني ذهبت الرجال الذين يطالبون بالحق. ومن يستمع الی البيت التالي لاشك سيتاثر الی مدی بعيد لروعة التشبيه و جمال التعبير:
گلبي مثل زراع ديم
يكرب صبخ و يناطر الغيم
منهو اليساعدني علی الظيم…..
فقد شبه قلبه بالذي يزرع علی المطر في ارض قاحلة لا تصلح للزراعة فيبقی ينتظر هطول المطر.
اشكثر برباك يا يمه تعبيت
و ابذيچ الليالي يلولد سهريت
يا هيبتي او يا ونست البيت….
فالبيت يبكي العيون ويحرق القلوب و يفتن الاسماع، نسمعها تخاطب ابنها و تذكره بما عانت و سهرت في تربيته فالولد-كما جاء في البيت التالي- ثمرة الكبد و قرة العين :
تعبت اعليك يا يمه التعب وين
يا ثمر چبدي او يا گرت العين
رايح يالولد يا يمه لاوين….
فالام لا تطيق موت ابنها و فلذة كبدها فهي تريد ان تدخره لكبرها عندما يدركها الموت:
ردتك نعشي علی چتفك تشيله
و اتراب الگبر بيدك تهيله
روحتك هاي يا يمه ثجيله……
هكذا ترسل الزفرات في فقد ولدها و لا تبتغي من وراء كل هذه المتاعب التي تحملتها في تربيته سوی حضوره في يوم مماتها فيحمل نعشها علی كتفه و يهيل تراب القبر. و ما اعمق و اصدق العاطفة في البيت التالي:
ردت الولد ويه اليدفنون
ايحط النگاب اعله العيون
ايهابون منه او ما يضحكون…
من خلال دراستي لهذا النوع من الشعر وجدته حافل بالاحساسات و الانفعالات و يضج بالمفردات الاصيلة التي كاد ان يقضی عليها.و القضية الاهم من ذلك ان هذا النوع من الشعر يقترب كثيرا من الهايكوالذي ظهرمؤخرا في الشعر العربي والهايكو القصيدة القصيرة المكثفة جدا، وقد بدأ في منتصف الستينات مستفيدا من نمط الشعر الياباني، ومزج بين بناء الموروث ـ التوقيعات النثرية العباسية ـ ولغة الحياة اليومية الهامشية..جاء في تعريف قصيدة الهايكو (قصيدة الومضة او التوقيعة) بأنها ” هي قصيدة الدفقة الشعورية الواحدة التي تقوم على فكرة واحدة أو حالة واحدة يقوم عليها النص, تتكون من مفردات قليلة, و تتسم بالاختزالية, و لا يتعدى طول هذه القصيدة الجمل القليلة التي تتشكل بطريقة لمّاحة واضحة سريعة “.قصيدة الومضة شأنها شأن فن النعي تتكون من ثلاثة سطور كالبيت التالي للشاعر احمد مطر:
ترك اللص لنا ملحوظة فوق السرير
جاء فيها لعن الله الامير
لم يدع شيء لنا نسرقه الا الشخير
اذن النعاوي لها صلة وثيقة بالتراث و الحداثة في آن واحد.









