الحلقة الاولى
رحيم الحلي
الحلة مدينة الحضارة والادب ، شربت من الفرات طيب مائه ، واكتست بخضرةٍ زاهية ، فكانت غوطة العراق ، امتدت جذور ثقافتها في عمق الارض ، واتصلت بحضارة بابل رغم قرون الظلام الطويلة ، ورغم هجمات اقوام الصحراء الخشنة ، بقت الحلة حاضرة للثقافة ولم تستطع الظلمة ان تكتسحها حتى في احلك هجماتها ، نشأ فيها الكثير من الشعراء في عصور شتى ، مر على هذه المدينة المتحضرة شاعرُ أثار انتباه الناس لظرافته وامتلاكه روح الدعابة والطرافة وسرعة البديهة التي وهبته روح النكتة غير المتكلفة انه الملا محمد علي القصاب الذي ولد في اواسط الثلاثينيات في احدى حاراتها القديمة وهي محلة المهدية التي تقع داخل سور الحلة القديم الذي احتوى على ابواب تنغلق عندما يغشى المساء هذه المدينة الوادعة .
كانت مدينة الحلة بمثابة الرئة الحضارية وعاصمة الثقافة لمدن الفرات الاوسط ، وخرج منها كثير من الكتاب والادباء في القرن العشرين منهم الشاعر محمد مهدي البصير والباحث في التاريخ القديم طه باقر والناقد الدكتور علي جواد الطاهر والناقد عبد الجبار عباس والكاتب الشهيد علي عبد الامير عجام ، عندما تدخل الى شوارع هذه المدينة تعطرك انسام حضارتها و ثقافتها ، حيث يكثر فيها ناشطو الثقافة وطلاب العلوم ، وتكثر الكتب في مكتباتها العامة والمختصة ببيعها وفي المكتبات العامرة في بيوت المثقفين الحليين ، رغم فقر اغلبهم ورغم ظلم الحكام وكرههم للثقافة واضطهادهم لعشاق الثقافة ، وفي مقاهي الحلة كانت تصدح الاغاني الشعبية التي تنطلق من المسجلات الصوتية التي تفتخر بها تلك المقاهي وهي احد مصادر الجذب للزبائن والترفيه عنهم ، بعد عناء الحياة اليومية المليئة بمظاهر الظلم السياسي والطبقي ، كانت تلك الاجواء الحضارية لهذه المدينة هي احد الروافد الروحية التي غذت الحس الفني والغنائي للشاعر محمد علي القصاب الذي ترك عمله كقصاب ، فهو كثيراً ما يترك بضاعته حين يذهب لاحدى الحفلات وهذا ما تسبب في اضمحلال حرفته التي كان يعيش منها ، وكلنا يعلم ان الغناء بكل ابوابه واركانه لم يكن ليُغني صاحبه من الفقر والحاجة الا حين يحقق المغني شهرة كبيرة تملأ الافاق حين ذلك تمده بموردٍ مالي يكفيه حاجته ، اما الشاعر فيضيق عيشه ويتسع على قدر كرم المطرب الذي يعطيه ثمن النص الشعري ، وفي احيان كثيرة ينكر عليه المطرب هذا الحق فتضيق عليه الحال وتكون حياته ضنكاً وعسراً ، وهذه كانت حالة هذا الشاعر المبدع محمد علي القصاب الذي تعلم القراءة والكتابة في الكتاتيب ، واحب الشعر الشعبي وتأثر بشعر حسن العذاري وملا منفي عبد العباس ، ابتدأ حياته في نظم الشعر الحسيني ، فقد اعتلا المنبر في مناسبات العزاء وذاع صيته لامتلاكه صوتاً جميلاً وموهبة نظم الشعر ولذا حمل لقب الملا ، لكنه لم يستطع ان يحصر موهبته في اطار القصيدة الحسينية ، بل انطلقت موهبته الشعرية في سماء القصيدة العاطفية ، وكتب الشعر الغزلي وبرع في الشعر الغنائي واول من تنباً له بهذا التوجه الشاعر عبد الصاحب عبيد الحلي قائلاً : بان محمد علي القصاب لن يستمر في استئثاره في المنبر الحسيني في الحلة فهو صاحب مزاج شفاف وسيتجه لميدان الغناء وهذا ماحصل واشتهر كشاعر غنائي .
امتلك صوتاً شجياً بمساحة عريضة وغنى في حفلات الزواج والختان ، قدم الابوذيات لحضيري ابو عزيز وداخل حسن وجعفوري وعبد الزهرة الفراتي ، ارتبط بعلاقة مميزة بالمطرب الراحل محسن الكوفي الذي ذاع صيته انذاك ، وكتب له الابوذية والاغاني وحتى الصياغة اللحنية ، فكان صانعاً ماهراً لتلك الاشرطة الغنائية التي لاقت نجاحاً شعبياً عكست مهارته كشاعر وكصانع للسيناريو اللحني للشريط ، شكلا ثنائياً تنقل بين المدن والقصبات يقدما الحفلات الغنائية حتى اصاب المرض المطرب الشاب محسن الكوفي ، حين تعرضت رئتاه لمرض التدرن وتوفى في مشفى مرجان في الحلة في اواخر الستينات ، فكانت وفاته صدمة لعشاقه ، وصدمة مؤلمة للشاعر محمد علي القصاب ، فكان يبكيه ويرثيه كلما مر بالكوفة التي كان يزورها كل يوم وهو يعود صديقه وعزيزه المطرب محسن الكوفي المكنى ابو ظاهر يقول القصاب في احدى ابو ذياته :
بعد بيه لسه روحي شوف املها
ولا ملت صبرهه شوف املها
الكوفة اخلاف محسن شوفه ملها
اثاري جانت ابمحسن زهيه
وفي ابوذية اخرى كتب هذه البكائية
بدليلي النار سعرها ووجهه
هذاك المبتلى ابطوله ووجهه
مومسجون (ابو ظاهر) ووجهه
يواجهنه الهوه حدر الوطيه
تعرف الشاعر محمد علي القصاب على المطرب سعدي الحلي والاثنان ولدا وترعرعا في محلة المهدية في الثلاثينيات من القرن النصرم ، وكتب له شريطه الاول يخمري ووضع قالبه اللحني وحقق نجاحاً وشهرة كبيرة ، عرف الناس من خلاله المطرب سعدي الحلي ، ثم كتب له اغنية اريدك دوم تدلل التي سجلت في اذاعة بغداد في اواخر الستينات وووضع الشاعر القصاب الاقتباس اللحني مطابقاً لاغنية خدك المياس للفنان السوري صباح فخري وهي من القدود الحلبية وهي مجموعة قوالب ومقامات لحنية يشتهر بها الحلبيون مثلما يشتهر البغداديون بالمقام البغدادي ، وهذا يوضح سعة رصيد الاستماع للشاعر القصاب ثم توالت الاشرطة التي صار الجمهور ينتظرها ويتلاقفها ، ولثقافة الشاعر القصاب الموسيقية واتساع خبرته فقد استعان بالعازف الفنان فالح حسن للعزف في اشرطة سعدي الحلي حيث كان يأتي للحلة ويسجل الشريط الغنائي في تسجيلات مهدي الوادي ابو عامر الذي كان يمتلك مقهى معروف في شارع المكتبات كما كان يسمى ائنذاك ، حيث توزعت بعض المكتبات على بعض جوانبه التي تنتهي بسينما الفرات وتتخلله اسواق الحلة المتخصصة وبعض المقاهي الشهيرة منها مقهى ابو سراج ومقهى ام كلثوم ، كانت مساهمة العازف المبدع فالح حسن نقلة نوعية في المستوى الفني للشريط الغنائي ، وحقق له نجاحاً مؤكداً حيث تكاملت عناصر نجاح الشريط وتوفرت اركان نجاحه وهي الملكة الشعرية الرقيقة للشاعر القصاب والصوت الشجي لسعدي الحلي والعزف الذهبي لفالح حسن على الة الكمان التي كانت تثير شجن المستمع الامر الذي زاد من نجاح اشرطته ، في هذه الاجواء فأن سعدي الحلي ومحمد علي القصاب شكلا ثنائياً وذاع صيتهما وازدادت الطلبات عليهما لاحياء الحفلات الغنائية في الاعراس والمناسبات الاخرى وصارت اغاني وابوذيات محمد علي القصاب التي غناها سعدي الحلي اشبه بمحفوظات يرددها الناس في انحاء العراق ، ثم بدأت تذهب خارج حدود الوطن لعذوبتها وطرافتها الفنية ، كانت كلمات كثير من اغاني الاشرطة الاولى لسعدي الحلي والتي كتبها الشاعر القصاب تعبر عن حلة الوجع والخيبة التي مر بها المطرب سعدي الحلي ، حين خسر حبيبة صباه وهي احدى قريباته التي زوجها اهلها على طريقة زواج البدائل وسكنت البصرة ولم يزوجوها له بسبب فقر حاله ، واستطاعت تلك الاغاني ان تفرغ من قلب سعدي الحلي شحنة الالم والمرارة ، واستطاع بريق النجاح والشهرة ان يخفف عنه ألم خسارته لمحبوبة الصبا ، وان يوصله الى شريكة حياته التي هدأت احزانه ، واستطاع الشاعر المبدع القصاب بتلك الاغاني والابوذيات ان يرسم احاسيس غيره كما يرسم الرسام الماهر تعابير وجه البورتريت ، وابرز مثال لاغاني تلك المرحلة كانت اغنية يمدلولة التي عبرت عن حالة سعدي الحلي العاطفية ومشاعره تجاه حبيبة الصبا ، الا ان المطرب سعدي الحلي لم يكن وفياً للشاعر الفنان محمد علي القصاب الذي اكتشفه وصنع منه مطرباً شعبياً مشهوراً واطلقه الى عالم النجومية حيث دربه وثقفه موسيقياً وأعد اجمل اشرطته الموسيقية التي حققت له الشهرة الواسعة ، الفنان سعدي الحلي تنكر لكل ذلك الجهد بل زاد على ذلك ان نسب لنفسه كثير من اشعار الشاعر محمد على القصاب رفيق انطلاقته الفنية وصانعها ، وذاعت في الافاق كثير من الاغاني التي كتبها القصاب لسعدي الحلي مثل اغنية يمدلولة التي رسمت بصدق احاسيس ومشاعر سعدي الحلي تجاه حبيبة صباه التي خسرها مكرهاً
يمدلولة شبكة بعمري غير الالم والحسرة
جسمي عايش بغداد وروحي مكابلة البصرة
يمدلولة ولاسألتي ولا كلتي شجرى بيه
اذوبن وحدي بعلتي لجل عيناك يبنية
حملت الاه والحسرة
خو ندري الطريق بعيد والفركة غصب صارت
شلون نهيد دنياي وعلي دارت
العليل شلون شيصبره









