اجرت الحوار نعمة خالد
* كيف كانت البدايات مع النشر والشهرة؟
– نشرت اول مجموعة في العام 1976، وهي “ساعة ويذبل الزيتون” حيث كنتُ ضيفاً على الشعر، وكما هو حال الضيف حين يبدو حرجاً وخجلاً ومتردداً، كنتُ هكذا حينها، اكتبُ القصيدة ولا أنام ليلتي قبل أن اقرأها لصديق وأسمع رأيه فيها، لكي أتأكد أن ما كتبته هو شعر حقاً.
أما في “ملًيت” وهي مجموعتي الثانية، فقد صرت صديقاً، أو لنقل من أهل البيت، فقد تجاوزت حرج وتردد الضيف، ولم أعد بحاجة إلى استشارة أحد.
هذا على الصعيد الفني، أما على صعيد موضوعات الكتابة فقد حدث ما يمكن تسميته بالنقلة، فقبل ذاك كانت موضوعاتي محدودة ولا تخرج، إلا نادراً، عن الحنين والبكاء على أطلال التجارب والانكسارات السياسية والعاطفية، وهذا ما أعتقد أنني تجاوزته أيضا، نحو عوالم شعرية وجمالية أرحب وأعمق بدأت ملامحها في “ملًيت” واكتملت أو تواصلت في مجموعتي الثالثة ” عطر الغايب” أما ملامح هذه النقلة فيمكن رؤيتها أو تلمسها في اختيار أو في التقاط اللحظة الشعرية وفي تشذيب الصورة والعزوف عن تصنيعها، وفي توظيف الإحساس العفوي بالأشياء المحيطة من دون إقحام أو تقريرية، وكذلك في استخدام المؤثرات الحسية مثل اللون والحركة والإيماءة والصمت ولحظات احتدام الرغبة.
* هل علاقتك مع الشعر الشعبي تنطلق من حرصك على المساحة الداخلية الحميمة التي تشكلها اللغة الشعبية مع المتلقي والشاعر معاً أم أن هناك أسبابا أخرى؟!
– من لم يجرب كتابة الشعر باللهجة الشعبية لا يستطيع اكتشاف سحرية هذا النمط الكتابي الغني بلغته وإيحاءاته وعوالمه الجمالية، فالشعر الشعبي في العراق وخاصة بعد عملية التجديد التي أحدثها مظفر النواب، مطلع الستينات، لم يعد شعر مناسبات أو أخوانيات، يكتبه العامة، كما كان في السابق، إنما صار شعراً بالمعنى العميق للعبارة، يكتبه مثقفون مبدعون لهم تجاربهم الحياتية والسياسية، ذلك أن عملية التجديد تلك طالت أشكاله وأساليبه الفنية وموضوعاته وأغراضه، وأسست لمفهوم جديد للقصيدة الشعبية نقلها من مقارباتها السطحية المباشرة مع المراثي والمديح والغنائيات الساذجة إلى عوالم الشعرية الحرة.. ولهذا أجد الكتابة الشعرية باللهجة الشعبية، أكثر إغراء من الكتابة بالفصحى، فاللهجة الشعبية، والى جانب أنها توفر للشاعر تلك المساحة الحميمة في العلاقة مع المتلقي، هي لهجة مطواعة ومحملة بالإيحاءات والرموز والاستعارات والظلال، وهي تشبه مادة مرنة يمكن أن تكوّني منها ما تريدين من أشكال جمالية، على خلاف الفصحى التي تبدو أحيانا كالحجر في عملية الكتابة الشعرية.
*لنتوقف قليلاً عند جيل ما بعد النواب ممن كتب الشعر الشعبي.. ما الذي أضافه هذا الجيل لتجربة مظفر؟
– كما قلت لكِ.. تجربة النواب كانت الأساس في انطلاق حركة التجديد في الشعر الشعبي العراقي، وهي حركة كانت رديف لحركة التجديد في الشعر العربي، ومع مراكمة النواب لهذه التجربة بنتاجه الغزير والمتفرد إبداعيا، كان أفق التجديد في أساليب وأشكال الكتابة الشعرية يتسع هو الآخر ويتنوع في مديات التجريب وحرية الاكتشاف والتمايز. ومع أن قصيدة النواب استمرت حية وطازجة في شكلها ومضمونها، إلا أن هناك، من الشعراء، من راح يبحث في أعماق أخرى تحت أرض التجديد التي فتحت أمامه، مستنبطاً موضوعاته وأساليبه الخاصة في الكتابة الشعرية. وبوسعنا الإشارة هنا إلى أسماء كثيرة من بينها: عزيز السماوي وطارق ياسين وعلي الشباني وشاكر السماوي وكاظم الركابي وعريان السيد خلف… هؤلاء وسواهم كانوا يمثلون الجيل اللاحق لمظفر، والمتميز في بحثه عن أساليب كتابة وموضوعات شعر جديدة ومغايرة. ثم بعد ذلك جاء جيل آخر بداية السبعينات وكنتُ واحداً ممن كتبوا في هذه الفترة، وقد أشتغل هذا الجيل على أنماط وأساليب كتابه أخرى للقصيدة الشعبية راكمت وكرست مكانتها في المشهد الإبداعي والشعري العراقي، ومن أسماء كثيرة أتذكر كاظم الكاطع وكريم العراقي ورياض النعماني وريسان الخزعلي واسماعيل محمد اسماعيل وأبو سرحان وكاظم الرويعي وفالح حسون الدراجي.
*جمعة الحلفي شاعر شعبي.. ماذا عن علاقتك بالشعر الفصيح؟
– أتذكر أنني أجبت على مثل هذا السؤال في مرة سابقة وقلت أن الكتابة بالنسبة لي، شعراً أو نثراً( عدا الصحافة طبعاً لأنها مصدر عيشي ) هي محاولة للترويح عن النفس وتبديد الوقت لا أكثر، فأنا لم أكتب يوماً لكي أصبح شاعراً أو قاصاً بالمعنى البروتوكولي السائد، لكن الناس والأصدقاء يسموني هكذا: الشاعر فلان الفلاني. وهذا ليس من باب التواضع أبدا إنما هو شعوري الحقيقي، لذلك أجيب على سؤالك بالقول أن علاقتي بالشعر الفصيح علاقة صداقة طيبة وغير متكلفة، فمثلما أشتاق لرؤية صديقي الجميل نبيل سليمان بين وقت وآخر، اكتب بالفصيح أيضا، بين وقت وآخر. وإذا اعتبرتي أن في هذا الكلام مزحة فأقول جاداً أن لدي مجموعة مخطوطة بالشعر الفصيح وأخرى بالشعبي ومجموعة قصص قصيرة، لكنني لست في وارد طباعة هذه المجاميع، بانتظار أن ينتهي الآخرون من طباعة مجاميعهم!









