ثقافة شعبية

الشاعر محمد الغريب: والرحيل المر جيل الشعر الثر.. وأفيون الشعر السبعيني

عدي المختار

((ليش أنت يا وطني ما ترسـّم خارطه؟؟!!
ترسم كرسي وعلم وحروفك مخربطه
ردنه نجيكم حمد والريل كلش بطه
حدر السنابل بجي وفززن كل الكطه))

شعر / محمد الغريب

 
أي خارطة أرادها الشاعر محمد الغريب؟؟ وهو يعاتب وطنه قبل أن يحن أوان الرحيل الطويل,وأي عتاب ذاك الذي بكاه الغريب ؟؟وهو ينظر لوطنه الذي يستباح ويجرح  في كل لحظة خارج حدود المقدرة المقررة اللاهيا,وأي قلب مكابر كان يحمله الغريب؟؟وهو يقف شامخا ليدين ويستنكر في حضرة الوطن بكل رقه وعفوية ظلم الوطن للوطن .
هذا الشاعر الذي امتطى صهوة الشعر بجدارة,وصال وجال شعرا..,يحمل من الهم الإنساني والرقي في الهم والألم والحزن والمفردة الشيء الكثير,قلم يعي جيدا دورة وهدفه في المجتمع,””كل بيت شعري كان بالنسبة لي ولادة قيصرية”” هذا تحديدا ما قاله لي أخر مره التقينا معا في مهرجان المصالحة الوطنية في مدينة الحلة الفيحاء,الولادة القيصرية تلك ليس تعسره شعرا,بل لدقته في كتابة إبداعه,وصدقه فيما يكتب .
ومن يريد أن يستعرض مساحة الشعر الشعبي العراقي عموما,فعليه الوقوف عند محطة شعرية هامة جدا,ألا وهي التجربة الشعرية الكبيرة لشاعرنا الغريب,الذي امتازت تجربته الشعرية بمميزات كبيرة في معناها ودلالاتها ,فهو الشاعر الذي يكتب بإنسانية عالية,وبرقه مذهلة,وبحزن شفيف رائع,وبلغه سلسلة موسيقية أخاذة,وبمفردات وقره وغير مبتذلة,وبخطاب شعري في غاية الدقة والعدل والأنصاف لقضايانا اليومية الإنسانية والوطنية ,ولعل ما يميزه أكثر من بين هذه المميزات هو أحساسة العالي وصدقه بما يجود ألهامه وقلمه من إبداع,فشعره ليس شعرا (حدثيا أو مناسباتيا ) ينتهي ويتلاشى بمرور الوقت والزمن,وليس شعارات وخطابات لا يشعر بها ويكتبها للتنظير فقط,ولم يكن شعره رغبات ونزوات,بل كان شعرا إنسانيا خالدا يتجدد كل يوم وكل لحظة,وكل كلمة كانت بالنسبة له عبارة عن نزف داخلي تورم فنفجر للعيان بكل صدق وأيمان مطلق,وكل بيت كان ضرورة ملحة تثور في ألهامه الشعري فتنتفض على الورق كقصيدة أرادة وعقل ومنطق .
ومن يجري تقييما أو تفكيكا نقديا لقصائده المتناثرة هنا وهناك,سيكتشف جمالية وريادة هذا الشاعر الشاب الذي يفتخر دوما وأبدا بأنه من جيل المحنة والنكبات والانكسارات والانهزام الذي طبعه نظام  الدكتاتور صدام حسين على جباههم كتختم جيل,وفي الوقت ذاته يفتخر بأنه من جيل ينتمي لريادة الشعر لا ريادة العمر وتراكم اللغط الشعري .
الشاعر محمد الغريب أبدع في كل ما كتب من شعر سواء كانت قصيدة  أو الابوذية أو الموال أو الدارمي أو النص الغنائي,لم تحمل قصائده أطنان من الإسفاف والابتذال والاستهلاكية بالمفردة والصورة الشعرية,ولم يلامس بشعره أحاسيس الشارع المبتذل خطابا ولغة,بل داعب أحاسيس الشارع المتحضر الساعي نحو التطور والرقي,ولم يكن شعره (أفيون الشعوب) بل كان واقعيا ومنطقيا وعقلانيا وواعيا لكل ما يكتب,شابت شعره المكابرة والكبرياء وقوة الإرادة,رغم غرقه في الهم والحزن والألم ,كتب حزنه على جدار العنفوان, لم يكن سوداويا بطرحه الشعري كان يعاتب فقط, تاركا وسط ذلك العتاب الشفيف ثمة بارقة أمل لا تجدها في شعره بل تشعر بها من خلال روحية القصيدة وإحساس الشاعر التي تجتاح القصيدة عموما, لم يكن فارسا في حضرة (التنكيت) الشعري المبتذل, ولم يكن حاضرا في ميدان الصراخ (المنصاتي), بل كان وقورا متحضرا في كل شيء /خلاقا /وأخلاقا /وحبا /وإحساسا /وإنسانا/ وهو القادم من مدن الحزن الطويل التي تسمى حضريا (المعدان ) .
محمد الغريب واحد من بين شعراء كثر ظلموا ولازالوا يظلمون نقديا وشعريا وإعلاميا,وذلك لان شعراء الحداثة ومن تأثر بهم  وجاء من بعدهم لم يروا شعراء غيرهم,والحداثة المقصود بها  هنا (النوابيون أي جيل الشاعر الكبير مظفر النواب في السبعينيات )وإن من جاء ما بعد هذه الثورة الحداثوية,سحق وأهمل وأقصيه /نقدا /وشعرا/وأعلاما/ وانتشارا /,حتى حرمت وأهملت أجيال طويلة من الشعراء الذين أبدعوا في كتابة القصيدة والشعر بشتى صنوفه,وهذه هي بالذات محنة الشعر الشعبي العراقي تحديدا الذي لا يرى غير النواب وفرسان القصيدة السبعينية  شعراء,وكل ما عداهم يعني (إسقاط فرض),الأمر الذي خلق برجوازية طبقية في الشعر الشعبي العراقي,وقتل أجيال مبدعه في شعرها,ولو هيئ لها ما هيئ لجيل (النوابين) لكانوا الآن أقطاب شعرية كبيرة في العراق والمنطقة برمتها,ونحن لا نريد أطلاقا حذف تلك الأجيال المبدعة شعرا وإحساسا وقضية (اقصد النوابية ),ألا أننا في الوقت ذاته نؤشر لثمة خلل أبداعي في ساحة الشعر الشعبي العراقي,وان الشعر لم يقف عند الجواهري او عند بدر شاكر السياب رائد الشعر الحر او السرد عند فؤاد التكرلي,بل  تطور الأدب العراقي تعداهم جميعا لأنه في حالة نمو دائم يحتم عليه الاعتراف بالأجيال التي تولد كل يوم ,وهذا ما لم يحصل بالتأكيد في الشعر الشعبي العراقي الذي بقي منغلقا ومنكفئا ومنطويا على أسماء معدودة ولم يعترف بالاجيال اللاحقة التي كان لها الأثر في إبقاء الشعر الشعبي كثقافة شعبية متداولة إلى وقتنا هذا .
الشاعر الراحل محمد الغريب واحد من تلك الأجيال التي أقصيت وظلمت تجربتهم الشعرية بسلطة الانعزال السبعيني وعدم خروج النقاد والمهتمون بالشعر الشعبي من خانة التأثر السلبي بجيل ما,نحو تغطية إبداع كافة الأجيال ليأخذوا حقهم كمبدعين في الساحة الشعرية,لاسيما وان الأجيال التي تلت الجيل (ألنوابي) حفلت بأسماء شعرية كبيرة جدا في شعرها وإبداعها وعطائها .ومن بين تلك الأجيال الجيل الذي ينتمي له الشاعر  الراحل محمد الغريب,فأن كان الانتعاش الاقتصادي والسياسي والاجتماعي كان دافعا لإبداع (النوابين ),فان البؤس والحروب والدمار والخراب والقتل المجاني والمقاصل وساحات الإعدامات العسكرية وسجون النظام السابق الدموية والحصار هو من كان وراء إبداع جيل الحزن والخسارات الذي تلا الجيل (ألنوابي) كما يقول(الفريد دي موسييه)((لا شيء يجعلنا عظماء غير الم عظيم )) .

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان