رياض النعماني
اللغة عموماً نشاط معرفي يحاول احتضان الوعي المتفرد الذاهب الى اضاءة حقائق الوجود وكشف الجوهر الحي لاصل هذا الكون المتنوع واللانهائي .. وليست جميع اللغات تحيا في هذا المستوى المؤثر والكبير من الكشف ومعايشة الحقائق الكبرى للحياة لذا فهي تظل تعيش على ساحل الماء لا في الاعماق الحية واللانهائية لهذا البحر الهادر وتعبيرات وتغيرات امواجه التي تحد و لا تتوقف الا عند حدود حركة الابدي الذي يسكن جميع الجهات وجميع الازمان.
اللغة العربية من بين لغات الانسان هي لا تنتفس الا في ضوء اللانهائي والسحري والسري وفي الفضاء الذي لايتوقف عن ابداع الجمال وصياغة الوعي الجديد القادر على ابتكار المستقبل وخلق حساسية الافراد وافكارهم المتجهة نحو الاتي الذي يتجدد في كل لحظة ويخلق ماء امواجه التي تتشكل منها نداءات الابدية وسواحل العالم الاخرى.
انها طاقة لاتتوقف عن الخلق والابتكار، فهي بهذا المعنى لاتنقل الوعي وتجارب الحياة فقط انما هي تخلقها وتغنيها بالتجارب المتفردة والاستثنائية المتلألئة في اعماق مجهول العالم الغامض وغير المعروف او المستنفذ بشكل نهائي.
انها وهي تقوم برسم تشكيلات اعماق الكائن تقوم باعادة تشكيل ذاتها من جديد في كتابات على سبيل المثال لا الحصر (( اعلام الصوفية واشعار الملك والضليل ابو صخر الهذلي والمتنبي وابو نؤاس)).. حيث تقوم بتجديد نفسها في طاقات هؤلاء الخلاقين.
ولان اللغة العربية لها كل هذه الفاعلية والممكنات في ايقاظ حقائق الحياة الخبيئة واعماق الفرد ظلت تقلق الانظمة المتعاقبة والتي لاترى في عناصر الجمال وطاقات الوعي التي تثيرها الاعدودا لايجب على الاطلاق.
هذه المنطقة لا يمكن ان تصوغها الا لغة حية كاللغة العربية في حارس تاريخ ووعي ومستقبل وشعب هذه المنطقة وانجازاتها المعرفية والفكرية والجمالية الكبرى .
دوائر الغرب الاستشراقية ومؤسساتها الثقافية انتبهت الى تاثير هذه القدرات التي تزود ابناءها المقومات يقظة تاريخية قادرة على مواجهة مشاريع هذا الغرب دافعة جرافية ووعي هذه المواجهة حتى حدود النار لحماية مستقبلهم الذي يتجسد في حماية طاقات لغتهم الام التي تسعى الدوائر الاستشراقية الاستعمارية الى تحطيمها.
هكذا .. وبعد كل هذه السنوات الطويلة من محاولات التدمير المتواصلة ضد كل ما يجعل ابناء هذه المنطقة ولغتها قوة خلاقة لا ترى لنفسها مكانة الا في مواصلة الجهود الحضارية الدائمة لصيانة وجودها ومشاركاتها الفعالة في صياغة مستقبل البشرية وزمنها المضيء الجديد .. وفي عموم حقب التراجع الاخيرة التي تمت في ظل وجود انظمة استبدادية متخلفة سقطت في اوليات المجابهات العسكرية هاربة من مواقعة ظلت سنوات طويلة تتحدث عن انتظارها وحتمية الانتصار فيها.
في مناخات هذا السقوط المدوي المخزي جرى تخريب متعمد وشامل لعموم امكانات وتعبيرات الحياة وفي مقدمتها المؤسسات الثقافية والفنية العريقة لانها ترى في سقوط هذه المؤسسات طريقا مفتوحا نحو تحقيق ماتريده وتخطط له من مخططات عدوانية . اغلال الحياة في هذه المنطقة الحية من العالم ادى الى اغلال وتراجع ابعاد لغتها الام التي بقيت سنوات وسنوات تتجدد في كتابات مبدعيها وليس سياسيها .. الذين اغنوا بها المشاركة الفعالة في ابداع حضارة ووعي البشرية الحديثة هذا التراجع في اللغة الام ادى الى تراجع اكثر هولاً في تشكيل وبنية ابنتها اللغة العربية العامية التي هي احدى روافد اللغة العربية الام حيث تمثل وتبدي ارتكاسها الى شيوع طرق استعمالية مختلفة جدا نتج عنها طروحات واشكال كتابية غاية في الرداءة حتى صار الابداع الحقيقي الطالع من اعماق تجربة شعرية انضجها الوعي التاريخي العميق الذي ظل يحاول مواكبة منجزات العصر الجديد .. نوعا من التهمة في رأي اصحاب هذا التمزق والتراجع الثقافي .. الحضاري.. اللغوي الذي نشهده اليوم وباستثناءات قليلة لشعراء شباب موهوبين فإن مايكتب .. وفي العموم .. هو نوع من انواع الكارثة الحقيقة والهاوية السحيقة التي يحيا فيها شعر العامية العراقية .. فالقصيدة العامية اليوم هي نوع من التنكر الجارح لتاريخ ومنجزات العشر العامي العراقي الذي افتتحته ( الريل وحمد) هنا.. اقف تحية ومحبة للشعراء الشباب الذين يكتبون بوعي رائع واستشراق مضيء لممكنات هذه اللغة التي هي صنفت تصنيفا آخر للغات العظيمة الام يبدعون وهم يعون وظيفة الشعر البنيوية التي تخلف العالم بقوة الخيال وليس بنظرة تجعل من الشعر ( شغلا) يجلب المال فقط .









