حامد كعيد الجبوري
يقول أحد أصدقائنا الشعراء لربما يصل عدد الشعراء الشعبيين لأكثر من (3000) آلاف شاعر لجيل واحد، وهذا العدد لا تملكه دولة الصين ذي المليار والنصف مليار من البشر، بمعنى أن البيئة العراقية وموروثها الثقافي والمعرفي أفرز هذا العدد الكبير من الشعراء، والسؤال الذي يطرح نفسه كم شاعرا من هؤلاء الـ (3000) آلاف يشار له كما يشار (للنواب) الكبير أو الحاج (زاير) و(عبد الحسين ابو شبع) (وكاظم منظور الكربلائي) و(طارق ياسين) و (شاكر السماوي) و (عريان السيد خلف) وآخرين ؟، وكل من هذه الأسماء الكبيرة تركت أثرا و إرثا ثقافيا لا يمكن الا أن يكون محطات مضيئة للأجيال اللاحقة، ومن خلال قراءتي لنتاج هذه الرموز الكبيرة وجدت لكل واحد منهم مدرسته وطريقته لبناء قصيدته، واختيار مواضيعها ومفرداتها التي يكتب قصيدته فيها و بها، فمنهم من ابتعد أو اقترب صوب المفردة العامية الموغلة التي تحتاج لفك طلاسمها والسؤال عنها، ومنهم من اقترب صوب اللهجة المدينية المحكية القريبة من العامية البغدادية، وهذا يأتي من حكم انتقالهم من مناطق سكناهم صوب العاصمة او المدن العراقية الأخرى، ووجدت أكثر من شاعر اتخذ من لهجة البادية أطرا لبناء قصيدته التي يتبَدون بمفرداتها، ومنهم من أوغل بالرمزية لأسباب أما سياسية أو اجتماعية، ومنهم من جاءت قصائده مباشرة مع شيء من التقريرية لحاجة المتلقي آنذاك لهذه التقريرية .
بداية السبعينات من القرن المنصرم وبروز قصائدها الملفتة للتمعن الدقيق موضوعا وسباكة ومفردة واتساعا، استوقفتني مفردة ( أتنيسن) والتي جاءت ضمن نص غناه المطرب العراقي ( فؤاد سالم ) والذي يقول فيه ( أتنيسن وياج اخذيني يل طحت بشوكج غفلاوي)، والنص للشاعر المغيب (ابو سرحان)، والفعل ( أتنيسن ) مصدره الأسم (نيسان)، والأسماء كما درسناها أما اسم مشتق أو اسم جامد، ونيسان أسم جامد لا تجيز اللغة العربية اشتقاق الأفعال منه، والشاعر الشعبي جوّز لنفسه هذا الاشتقاق، فجاءت مفردة جميلة وغير مسبوقة اختزنتها الذائقة السمعية الشعبية، ولربما أهل الريف يقولون (أتنيسن ) أيام الحصاد، ومن خلال قراءتي لنصوص كثيرة لأغلب شعرائنا الشعبيين لم أجد من يتصرف بالأسماء أو الأفعال كتصرف الشاعر ( شاكر السماوي)، ولو تصفحنا دواوينه وأخذنا مثلا ديوان (رسايل من باجر) الصادر عن مكتبة الشرق لعام 1973 م لوجدنا الكثير الكثير لما يدعم ما ذهب إليه، في قصيدة تمثال الشمع يورد الفعل (اتكنطرت)، ومعلوم أنه مشتق من الاسم ( قنطرة)، ولو اشتققنا من هذا الاسم ( قنطرة) للعربية الفصحى فعلا لكان (تقنطر)، وهذا بزعمي ثقيل لفظه ناهيك عن عدم محبوبية إتيانه بأحد القصائد الفصيحة، أما مفردة (اتكنطرت) جاءت وكأنها وضعت في مكانها الطبيعي الجميل باللهجة العامية، وفي قصيدة (سوالف النجوم) من نفس ديوانه (رسايل من باجر) لوجدنا أكثر من مفردة تصرف بها الشاعر شاكر السماوي، فأحياناً يشتق من الاسم فعلا مضارعا ومرة أخرى فعلا ماضيا، (نور الشمس غبَش، يصحي الغافي بعشوشه)، ولو عدنا للفعل (غبَش) لوجدناه دالا على فعل ماض وهو مشتق من الاسم (غبشه) أو (الغبش) ان صح وروده هكذا في اللغة العربية الفصحى، وفي موارد أخرى نراه يشتق من الفعل باللغة الفصحى فعلا باللغة الدارجة او اللهجة العامية، ومثل لذلك (استكان) وهو فعل مضارع مشتق من (استكان) بمعنى استقر أو هدأ، فنقله السماوي شاكر الى الفعل (تستجن) وهي مفردة شعبية أيضا أتت بصيغة المضارع ( تهيم أعلى الشواطي تهوف، هلبت تستجن بيها)، فجاءت بشكل جميل تومئ للقارئ او المستمع حرية التصرف الواسعة لدى الشاعر شاكر السماوي،والأمثلة كثيرة جدا لمن يتسنى له قراءة دواوين الشاعر شاكر السماوي، ( تحنط كل خيال برعشة ظنوني)، أو ( تخشب ليله بعيوني)، فالفعلان (تحنط وتخشب) جاءا بصيغة الماضي، ولو قرأنا ( نعش أسود رهن كلبي بصواميعه)، وحققنا بمفردة (صواميعه) أتت هكذا على لسانه مفردة شعبية، ولو عدنا بها للعربية الفصحى (صومعة) وهي تعني مكان الإنفراد أو الانعزال أو التعبد أحيانا، وجمعها (صوامع أو صومعات) ولو أضفنا لها الحرف هاء للضمير المخاطب او الغائب لأصبحت صومعته أو صومعاته، فمن من شعراء اللغة العربية يوردهن وتأتي سلسة كما أراد السماوي، واتى بها السماوي (صواميعه) مضيفا لها ياء التملك والهاء ضمير للغائب او المخاطب فأصبحت هذه الصومعة ملكا للغائب أو المخاطب، وعودة للأسماء وكما يقول النحاة أسماء مشتقة وأسماء جامدة ومثلا قلنا نيسان اسم جامد لا يمكن اشتقاق الأفعال منه، وماذا سيقول النحاة لو اشتققنا من اسم جامد غير معرب ك (هتلر) القائد النازي الألماني المعروف، وكيف اشتق من هذا الأسم غير المعرب فعلا، وهل يجيز النحاة هذا الاشتقاق دون الرجوع الى المجمع العلمي العربي للغة العربية، وبخبرة شاكر السماوي باللهجة الشعبية وتصرفه بهذه المفردة الأعجمية ( بالعندي خبرها يكول، عبر فوك الركاب الهتلرت برلين)، وهنا نحار كيف نصف هذه المفردة (هتلرت) فهل حولها الى صفة، ولو افترضنا ذلك يجب عليه القول ( الهتلرية)، في حين ان السماوي جاء بها صفة لا يجيزها النحاة العرب وأجازها لنفسه الشاعر الشعبي المتمكن شاكر السماوي، وتجربة الشاعر الكبير شاكر السماوي تتضح لمن يقرأ دواوينه التي طبعت بعد غربته وكيف استطاع التفرد والتحكم بمفرداته الجميلة، يقول السماوي شاكر كنت أسير في شوارع الديوانية – مدينته – لأبحث عن ذلك المجنون الذي يجوب طرق الديوانية وهو يتغنى بمفردات موغلة بالعامية – الحسجة – ومرة استمعت لهذا المجنون وهو يردد ( كاغد وجاسه الماي)، فما كان من السماوي شاكر إلا أن يأخذ هذه الجملة ويوظفها في إحدى قصائده وإن لم تسعفني الذاكرة كانت في قصيدته المهداة للمطربة العراقية (صديقه الملايه) .
أنهي موضوعتي بالقول لو أني أمتلك كل دواوين الشاعر الكبير شاكر السماوي لجاءت الموضوعة معززة بأكثر من نص استطاع به الشاعر أن يلعب أو يتلاعب بالمفردة العامية وهي بزعمي ليست طيعة إلا لمن أوغل بهذه اللهجة المحببة لكثير من المتذوقين للشعر الشعبي .









