كتاب الحقيقة

الرصافي … في ذكرى وفاته السبعين

 د. علي حداد

 

 مرت يوم أول أمس 16/3 /2015م الذكرى السبعين لرحيل (معروف عبد الغني الرصافي : 1875-1945) ذلك الاسم الثقافي العراقي الكبير المتقدم في وعيه وتنظيراته ، والمتعدد المواقف والإمكانات المعرفية والإبداعية تلك التي لم يكن الشعر بينها إلا الوسيلة الأيسر في التعبير عن كثير من قيمها وأفق تلقيها (مجتمعياً) منه ، وإن كان سواها عنده ليتجاوزها خطورة وتجسيداً لآرائه ومواقفه .
 كان الرصافي شخصية كبيرة الوعي  ضمن جيلها النهضوي الذي أرهص وجوده ومواقفه بمرحلة تاريخية جديدة ، من خلال ماتوافر عليه ذلك الجيل من مدرك فكري وتوجهات تثقيف مغايرة ومواقف معبرة عنهما ، ووسائل بث وإعلان مضافة ، ليرسى  مستويات متطورة للثقافة العربية ، من خلال مسعاه لاستلهام تطلع إنساني ارتفعت الدعوة إليه في الواقع العربي ـ والمشرقي بعامة ـ بحثاً عن التواصل مع ما أخذت العيون تطالعه من صور الحياة الثقافية للمجتمعات الغربية وهي تكرس وجودها الإنساني في قيم عصرية راقية .
لقد تعددت مساحة الفعل الثقافي الذي أنجزه الرصافي متمثلاً في كثير منه مجالات عمله الفكري والسياسي والتربوي منذ أن كان نائباً قي مجلس (المبعوثان) العثماني ، مروراً بالتعليم  الذي مارسه في الاستانة وفلسطين والعراق ، حيث كان آخر اشتغاله فيه مدرساً في دار المعلمين العالية ببغداد حتى العام 1928م . ، ليصبح بعدها نائباً في البرلمان العراقي لأكثر من دورة ، وبين سنواته تلك فقد سعى إلى العمل بالصحافة فأصدر جريدته (الأمل) التي لم يتح لها أن تستمر طويلاً ، مثلما انشغل بالتأليف الذي نشر فيه عدداً من الكتب الثقافية والأدبية والنقدية التي كرست وجوده المعرفي المهم ، وتمثلت أفكاره وفلسفته في الدين والاجتماع والفكر والشعر واللغة واللهجات وأدب الأطفال.
وفي كل من تلك المجالات كان الرصافي يعبر عن مستوى التمكن إمكاناته المعرفية العالية النضج والعقلية الجدلية التي توافر عليها والنزعة المتمردة على كثير من المواضعات الفكرية والاجتماعية القارة الحضور في الأذهان من حوله . وذلك لم يكن ليجيء عنده  من رغبة الرفض المجردة  بل من خلال وعي حصيف ومقدرة على المحاورة والاستنطاق والاستنتاج ، يسبق ذلك كله مثاقفة عالية وتأمل ألم بكثير من جوانب الفكر والمعرفة وجادلها بقدرات استنطاق رصينة وبجرأة عقل تنويري لاتهادن فيما امتلكت زمامه ويقينه من الوعي الذي أخلصت له وتحملت تبعاته تلك التي دفعها الرصافي بسخاء عجيب ، لينتهي به الأمر شيخاً وحيداً منعزلاً ومعدماً ، يوفر مستلزمات عيشه من صندوق لبيع السكائر يحمله على كتفين أثقلتهما سنواته التي قاربت السبعين . ولعل من يتأمل آخر صورة له ـ بعباءته وعقاله وكوفيته وتجاعيد وجهه ونظرة الخذلان المستبدة بعينيه ـ لايكاد يصدق أن تلك هي نهاية الرصافي الرجل الجهور الوجود والصوت الذي ترك بصمات وعيه في كثير من ثنايا مرحلته ،والشاعر الكبير الذي تنادت لشهرته آفاق متسعة . الرصافي المثقف الجريء الذي أقلق وجوده المحتل الانكليزي ، حين راح يحذر أبناء شعبه منه ومن التبعية له ، ويذكرهم بضرورة الثورة على مرتكزات وجودهم السياسي والفكري ، فيهتف :
                   للإنكليز مطامع ببلادكم     لن تدرؤوها دون أن (تتبلشفوا)
مثلما ضايق في شعره وشخصيته النظام السياسي السائد حينذاك ، سواء وهو ينال من هيبة ملكه الذي وصفه بأنه :
                  وليس له من أمره غير أنه     يعـدد أياماً ويقـبض راتباً
أو وهو يسخر من سلطاته السياسية ورموزها :
       علم ودستور ومجلس أمة    كلٌ عن المعنى الصحيح محرف
أو ما كان يتشكل من حكومات هزيلة الأدوار :
                  أ  هـل بغـداد أفيقـوا  من كرى هـذي الغرارة
        إن ديك الـدهـر قـــد باض ببغــداد … وزاره
         شأنها شأن عجيب      قصرت عنه العباره
         هي للجـاهل عزّ          ولذي العلـم حقـاره
         ملـك البـدو بهــا الأمـر على أهــل الحضاره
أما مواقفه الاجتماعية والتربوية فقد كانت غاية في الدعوة الى التغيير وتلمس مستلزمات النهوض من وهدة الواقع السائد ، فتعالى صوته ـ نثراً وشعراً ـ منادياً بنشر التعليم وبناء المدارس وإنشاء المستشفيات والنهوض بالحالة الاقتصادية لمعظم أبناء المجتمع ، وتحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية ، وإعطاء النساء دورهن الفاعل في المجتمع ، هاجياً المواقف السلوكية والتربوية المتسلطة عليهن .
   ولعل كتابات الرصافي النثرية في هذه المجالات كلها لم تكن لتقل عن الشعرية حدة وإثارة ومشاكسة لكثير من المواضعات الدينية والاجتماعية والأدبية التي واجهها بالدعوة الى التأمل الموضوعي واستدعاء العقل في تمثلها أو رفضها ، مفنداً لكثير من طروحات الفكر السكوني الذي يهيمن على الواقع الثقافي والاجتماعي ويتسيدهما.
       كان الرصافي قد جرب أن يؤدي دوره في مجتمعه من خلال العمل السياسي ، ولكن عنايته بالسياسة ظلت غير مؤثرة ، سواء في توجهات شخصيته  أم في المحيط الذي تجشم عناء خوضه ، حيث لم يكن ـ في خصوصياته الفكرية والنفسية ـ لينسجم مع واقع السياسة ومستلزماتها السلوكية . ولم تكن له تطلعات ذاتية وبرنامج ، أوجهة تنظيمية ينتمي إليها  ، حتى بدت  توجهاته إلى العمل السياسي نتاج صلته  بالظرف المرحلي الذي عايشه ، وعبر أطر عامة شارك في المناداة بشعاراتها : كالاستقلال والحرية والعدالة وسواها ـ ليخلفها وراءه لاحقاً، ويعود إلى الانغماس بالتجربة الثقافية التي يجيد امتلاك أدواتها والوعي بها ، ولاسيما ( التجربة الشعرية) التي عرف بها بين عامة أبناء مجتمعة أكثر من أي جانب آخر في شخصيته ، فأعاد تمثلها وحدها ، يحملها  أفكاره وشعاراته التي ما كان ليجد الإمكانية  لتجسيدها في خضم الواقع والقوى المتحكمة فيه .
 لقد تماهت شاعرية الرصافي مع الرؤية الفكرية ذاتها التي عبر عنها في كتاباته ومواقفه التي كانت ـ  وعلى امتداد سنوات عمره ـ تناكف الواقع المتخلف ، وتدعو إلى الانعتاق من أساره ، لا بالتوجه إلى الماضي والتغني  بأمجاده ، بل من خلال امتلاك روح ذلك الماضي لتشكيل صورة المستقبل:
 أرى مستقبل الأيام أولى      بمطمح من يحاول أن يسودا
 فوجه وجه عزمك نحو أت    ولا تلفت إلى الماضين جيدا
 فما يجدي افتخارك بالأوالي     إذا لـم تفتخـر فخـرا جـديدا
 وهل إن كان حاضرنا شقياً      نسود بكون ماضينا سعيدا
 فخير الناس ذو حسب قديم       أقــام لنفسه حسبا جـديدا
ولعل من ملامح التمثل لأفق المستقبل عنده ـ وفي حدود الوعي الأدبي ـ موقفه من التجديد في الشكل الشعري ، فقد كان  الرصافي من المرحبين بتجربة (أمين الريحاني) في كتابة (الشعر المنثور) وتأمل تجارب عراقية سارت على نهجه منذ ثلاثينات القرن الماضي ،وتبنيها وكتابة المقدمات المبشرة بأفقها التعبيري الجديد الذي ربما حاول  مجاراته في بعض كتاباته. وبمجاراة ذلك فقد كان للرصافي مدرك ناضج التمثل بأهمية الفنون الجميلة الأخرى لتأسيس ذائقة اجتماعية جديدة :
 إن رمت عيشاً ناعما ورقيقا       فاسلك إليه مـن الفنون طريقا
 واجعـل حياتك غضة بالشعر     والتمثيل والتصوير والموسيقا
 تلك الفنون المشتهاة هي التي    غض الحـياة بـها يكون وريقا
ذلك هو الشاعر(معروف عبد الغني ) الذي منحته (بغداد) لقبه من مسمى إحدى ضفتي نهرها ، فهو وحده  (الرصافي ) الذي لايشاركه هذا المسمى أحد قبله أو بعده.
                        *  *  *
لك أن تصنع منها ـ أعني :
الروح الوهاجة بالمعنى
والنيات الممسكة اليد بصحو الآتي
والكلمات الطيعة المعنى لك وحدك ـ
أفق الفكرة ، والوعد
الكنت ترود مداه بأخضر روحك ،
وتحطّ على أكتاف مسماه
 أبناء …  لايعرفهم أحد غيرك
وبنات من أفكارك ،
كنت تركت أيديهن يرتبن أثاث الأمس
لاستقبال غد
كنت تظن سيأتي .. ولما يأتي بعد!!

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان