ثقافة شعبية

الشعر الشعبي العراقي الحديث والمعايير الجمالية..

ريسان الخزعلي

 

القصيدة الشعبية الحديثة في مراحل تطورها الجمالية / الفنية تقوم على ارتكازين تحديثيين في مسارها الإبداعي، المرحلة / النوابية / والمرحلة / ما بعد النوابية / في المرحلة الأولى كان الاكتشاف الإبداعي الجديد والتأسيس الأمل لحداثة غير مألوفة كان التأصيل فردانيا في جوهره / مظفر النواب / هو الشروع الموازي لتطور القصيدة العربية والإضافة الأكثر إشعاعاً وتأثيراً في توليد قصيدة شعبية بمقومات فنية جديدة عليها بكل المعايير.
وبعد رسوخ التأصيل النوابي كان التأصيل الآخر يتشكل بقوة ضمن حتمية التطور اللاحق / الانتباه – تأصيل الأصل – الامتداد – الإضافة الجديدة / والإضافة الجديدة تأسست وتشكلت على أيدي شعراء معروفين / شعراء ما بعد النوابية / وكان الشاعر الكبير / علي الشباني / في طليعتهم لوناً وانبثاقاً / خطوات على الماء أيام الشمس / ومن ثم / هذا التراب المر حبيبي.
ورغم أن سمات القصيدة في المجموعة الجديدة تمثل / الاستكمال والاستمرار / في التجربة الإبداعية لما سبقها / الشكل، البناء، الصورة، التاريخ، اللغة، الرمز / الا ان تأصيل اللون الخاص والمغاير الجمالية / الفنية وكشف المستور من مواقف حياتية / سياسية إظهاره في التوقيت الأكثر تلمساً يضيف سمات أخرى لتجربة / علي الشباني/ الإبداعية ودوره في تطوير القصيدة الشعبية وصولاً الى القصيدة الشعبية الحديثة بلون / الشباني/ وخصوصيته وانفراداته في جماليات الصورة، جماليات اللغة جماليات الرمز، جماليات البناء والتشكيل الشعري ومثل هذه الجماليات تم بوعي الشعر وفكرة الشعر وثقافة الشعر.
فالصورة تجيء محملة بشحنات العاطفة والحسية ومرارة الخسارة، صورة لا تعتمد اللقطة الآنية بل تمتد طويلاً وتتشكل على كامل مساحة القصيدة لتشغل جميع دلالاتها في تصوير المشهد الداخلي / الخارجي والشباني مولد صور بارع تنسجم قصيدته كثيراً في لغتها مع صورته الشعرية ولهذا تتسارع القصيدة، لينة تطاوع الروح، تتفيأ فيها حتى لم يكن من السهولة مسك موضوع القصيدة لانشغال الذاكرة في تتابع الصور وربطها مع بعضها، ان القصيدة منذ البدء تصور وهي في طريقها الى صور أخرى وان الشباني يستطرد كثيراً في قصيدته لكنه استطراد صوري ممتع حتى لتبدو القصيدة غابة من الصور كثيفة متشابكة تقتحم المخيلة دون إذن الا انها تنسينا الموضوع، ولذلك فان الموضوعات قصائد الشباني تختفي تحت أجنحة صورة انه يكتب القصيدة – الصورة – والصورة القصيدة في الوقت ذاته بدليل انشغالاته المحسوبة حتى في ألوان هذه الصور التي تزدحم عادة بها المقاطع (حنه، حمرة، شمس، اشموع، سدوة، ظلمة، نجم، ضوه، صبح، كمره، هندس.. الخ)
الضوه
ابدنياك تسياره
كصيره نفس ومروحه
يشيمة بيت
ميتنا يظل يحجي التراب الغافي بجروحه
ولك ذليت
علمناك بزغة صبح وامدلك
لمن شفت الليالي اطوال شو رديت
رد للموت لو حنيت
يظل تاريخك المصلوب
سيف اسمر حزن مكتوب
* وللرمز في شعر الشباني دالته ومدلوله ورموزه متداخلة دينية وطنية / آدم ، صاحب الزمان، المسيح، الخضر، العباس، الحلاج، جيفارا، كاسترو، فهد/ والتداخل يشير الى القضية الانسانية كموقف وجودي / حياتي يتوج بالتضحية او مسببات الغياب:
* ولك
ولا يكسر خواطرهم كلب تلفان
يا حوبة اشموع المغرب
الصوب / الخضر/ وحشة نذر نسوان
* ياوينه اليكلك هالك
/يا صاحب/ بجت
مهضومة كل دنياك
* يا نكلة غضب ما جاي شيلة راس
يا صبر /المسيح /وشيمة /العباس/
* كما أن الشاعر / علي الشباني/ مسحور باللغة، لغته ويفوق اهتمامه في هذا الجانب أي اهتمام آخر في القصيدة حتى يخيل إلينا أحيانا عندما لا ندرك موضوع القصيدة بأن هذه القصائد ما هي الا تشكيلات لغوية، ولهذا حين يستخدم الرمز فإن هدفه تعزيز هذا السحر في جمال لغته رمزياً، حيث ان هذه الرموز مليئة بحركية إيقاعها ولذلك فإن قصائده المزدحمة بالرموز هذه تمتلئ بالأفعال المضارعة والماضية والأمر، وهذا يضيف للقصيدة حالة من الاسترسال الراكض والانسياب المتناهي، لذا فان المتلقي لا يشعر بالملل بسبب هذه الخاصية الديناميكية:
* والراية ابمنامك تنكسر واتميل
كسرني الماي من طاح العطش بالدم دمع وتسيل
ولا راية التسد السيل واتفك الشمس بالروح كل الغيم يمطر باللعب
وايبلل اثياب الزغر ويروح.
* ان ظاهرة الالتصاق الأمي / من الأم/ تضاف الى ظاهرة الحنان والعودة الى البيت تمثل دلالات رمزية أخرى في شعر / علي الشباني/ تحيلنا الى ان الشاعر يرعبه الافتراق ويخشاه شاعر مليء بالخوف الحسي لا يحب المغادرة ومنذ التراكمات الأولى للطفولة وهذا يؤكد الاستنتاج من جديد بأن الأم والبيت رمزان ذات أهمية لديه لا يريد أن يخسرهما بعد ازدياد / خساراته / وبعيدا عن الفهم الفرويدي لظاهرة الالتصاق الأمي فان الأم في قصائد الشباني دلالة رمزية ونافذة ومنزع للخسارة حتى يمكن القول بأن الأم هي رمز للخسارة في شعره / وصي امل بعد لتغار ولك ما مش كلب غيري عليك ايغار.
* وفي جماليات اللغة يؤكد / علي الشباني / قدرة فنية في تطويع اللهجة باتجاه لغة جديدة نقية، متخلصة من تراكمات مفردات ما عادت تصلح الانتقاء الحاجات اليها شعرياً ودلالياً ولغة الشباني مدينية لا تلوح للريف الا عن بعد، والتعليل كامن في تجربته المدينة ايضاً ومع ذلك يتوافر الشاعر على تجربته الخاصة لغوياً في التكرار سواء كان ذلك في تكرار المفردة او تكرار الحرف وهو يدرك تماماً ما لهذه الجماليات في إضافات فنية تعود لقصيدة الى المستقر الحي أكبر تحت عينك عام وأزغر تحت فيك عام/ وقد جاء التكرار للمفردة بأنساق مع الضوء والظل في البدء تكون.
المشاهدة / الضوء – أكبر، ومن ثم الظل / اللقاء ، أزغر. كما تكرار الحرف يشكل انتباهاً في توالي المشهد صورياً.
* يل أسمر
مسحته
أو سيس
عسن لا رد
* وهكذا تمتعت / هذا المر حبيبي / بالمعايير الجمالية/ الفنية وهي العلامة الأخرى في تطور القصيدة الشعبية الحديثة والرد الفاعل على سؤال تكرر (اين القصيدة الشعبية الحديثة ؟)

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان