ثقافة شعبية

تخبطات راهن القصيدة الشعبية العراقية

 كاظم غيلان

 

بقدر ما تلقي المتغيرات السياسية بظلالها على سائر تنوعات الآداب والفنون في العراق، الا ان القصيدة الشعبية تأخذ موقع الصدارة في هذه المتغيرات، الا ان الإشكال الذي لابد من الأشارة له بتجرد تام هو غياب الكتابة التي تؤرخ لهذه المتغيرات، لاسيما وانها تخضع لعملية التحقيب الزمني- الجيلي- على العكس مما تحقق لشعراء الفصحى الذين انغمسوا في هذا المجال وعرفوا أو انتبهوا لأهميته التاريخية عبر كتاباتهم المهمة والمؤرخة بشيء من المسؤولية برغم التباينات الفكرية بين من حققوا ذلك والذين هم من أبرز شعراء حقبتهم ويقف الستينيون في مقدمة هؤلاء اذا ما راجعنا اصداراتهم كفاضل العزاوي في كتابه(الروح الحية) و فوزي كريم في كتابيه( تهافت الستينيين والعودة الى كاردينيا) وسامي مهدي في(الموجة الصاخبة) ، كذلك فعلها السبعينيون كالكتاب الذي أصدره قبل عام الشاعر هاشم شفيق حيث قرأ المشهد الذي يعنيه (السبعيني) من خلال المقاهي والحانات، وفي مجال الشعر الشعبي لم يحدث شيء من هذا التوجه الا بحدود ما أقدم عليه الشاعر العراقي المغترب – عبد الكريم هداد- المقيم في السويد بعد أن استثمر فسحة حرية المنفى التي أعانته في إصدار كتابه ( مدخل لدراسة الشعر الشعبي العراقي – قراءة في تاريخ شعب-) العام 2001 ، وكانت لي محاولة جادة في هذا المجال عبر كتابي الذي لم يزل مسودة انجزتها نهاية التسعينيات ( الشمس أبقى من قطيع الغيوم) ونشرت عدداً من حلقاته على صفحات ملحق(ثقافة شعبية) في جريدة الصباح أيام عملي بها والذي أحاول إصداره بعد أن أضع لمسات جديدة له تبعده عن حالة التوتر والانفعال اللتين ضمنتهما في ذلك الوقت. عود على بدء، وأعني ماحصل للمشهد الثقافي العراقي بعد العام 2003 وانهيار النظام الدكتاتوري وتهاوي مؤسسته الثقافية وواجهاته المهنية التي كانت ممثلة لسائر أدباء وفناني العراق والتي أجهدت نفسها ووظفت كل طاقاتها لأغراض تعبوية بحتة لخدمة النظام وحروبه . الذي حصل في مشهد الشعر الشعبي العراقي ماهو الا انعكاس واضح لحالة الفوضى والارتباك العارم الذي شمل كل مفاصل الحياة، وكان في مقدمة ما أفرز على مستوى الشعر ألشعبي العراقي تناسل المنظمات والتجمعات والروابط التي راحت بدورها تستقطب الشعراء بطريقة عشوائية بعيدة عن جوهر الإبداع، وهذا له علاقة مؤكدة بطرق التمويل التي حصلت عليها من جهات عديدة يشوب معظمها الغموض ويثير الغرابة لمن يحاول رصدها بدقة، الأمر الذي بات لايعين لأي منا لوضع إحصائية دقيقة لعدد هذه الواجهات والتي بدورها تناسلت المهرجانات بمناسبة أوبدونها معتمدة على الشللية المقيتة ونظام الـ(كروبات) التي تفننت بطرق التكسب والاستجاء ، وقد عجزت تماماُ عن إبراز الطاقات الإبداعية التي لم تعد تشغلها بقدر ما تشغلها مكاسبها النفعية الضيقة والرخيصة، وبقدر ماروجت عبر فعالياتها لظاهرة الصراخ الهستيري الذي بات من أبرز المؤاخذات التي سجلت – وللأسف الشديد- على الشعر الشعبي العراقي المشهود له بمساره الإبداعي التقدمي الانساني النبيل، وكل ذلك حصل بدعم وتمويل مؤسسات شتى ووجهاء وشيوخ عشائر وساسة كبار. ومثلما تناسلت المنظمات والروابط، تناسلت هي الأخرى وسائل الأعلام التي كرست بعض مجالاتها للشعر الشعبي ، وهذه الوسائل بمجمل تنوعاتها المرئية والمقروءة والمسموعة حصلت بحكم التوسع الإعلامي الهائل الذي شهدته ظروف التغيير ، الا ان الطامة الكبرى أن معظم الذين هيمنوا على مسؤوليات هذه المنافذ هم من الذين يفتقرون للتجارب المهنية الإعلامية فضلاً عن غياب الجانب الإبداعي الذي يفتقرون له ولاسيما – المرئية- حيث تلاقفت الفضائيات كل من هب ودب لتصنع منه نجماً سرعان مايكتب مرثيته ولم يعد يصلح الا قراقوزاً مهووساً بنجوميته التي ثير القرف لأي متلق يتوفر على قدر من الوعي، وأحيطوا بجمهور كبير من الأميين والمهرجين. كل ما أسلفت ذكره لايعني غياب العديد من الأسماء التي أفرزتها ظروف التغيير والتي أثبتت قدراتها الإبداعية ولنا في العديد من الأسماء خير مثال لما أردت كمحمد أبو العز، منذر زكي، رائد أبو فتيان، علي أبو اللول ، مؤيد الطيب وآخرين ممن لم تسعفني الذاكرة لاستحضاره، وأغلب هؤلاء من الطراز الذي شغله همه الإبداعي وأبعد نفسه عن الأضواء واللهاث خلفها بعد أن وجد فيها ذلك الغبار الذي من شأنه أن يسهم في طمر موهبته النابضة بالحياة والجمال، واختطوا لتجاربهم مساراً مغايراً عن المسار التعبوي العدواني الجديد الذي هو في كل الأحوال امتداداً لذلك المسار الذي تأسس بداية الثمانينيات وأعني الحرب مع إيران. مع أن الجديد ارتدى ثياب العداء الطائفي السافر الذي من شأنه أن يعمق من حالة التشرذم ، ناهيك عن شيوع الخطاب القبلي ودعمه مؤسساتياً على المستوى الإعلامي في محاولة للعودة بالشعر الى عهد شاعر القبيلة التي أعقبتها ظاهرة (المهوال) وهذا أمر بحاجة الى رصده كواحدة من ظواهر الجهل والتردي الذي يسيء لوظيفة الشعر ورسالته وجوهره. الأبداعي.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان