ثقافة شعبية

واقع الشعر الشعبي العراقي .. مؤامرة الخارج وجهل الداخل

عدي المختار

ربما يظن البعض بأن الدراسة ستعكس نظرية العنوان وهو ذلك الصراع الخفي بين مثقفي الداخل والخارج ألا أني استطيع أن أقول بأن العنوان بدا هكذا لكن المتن مختلف تماما ,فحديثي هو عن مؤامرة الوسط الثقافي على الشعر الشعبي يقابلها الممارسات الخاطئة التي تجتاح الساحة الشعرية والتي انحدرت به لهذه الزاوية المظلمة ليعزل ثقافيا .
نحن بأمس الحاجة لمعرفة نحن أين من الشعر الشعبي بل نحتاج لقراءة الساحة الشعرية وما يحيط بها قراءة بعيدة عن الأنا التي باتت ميزه الأعم الأغلب من دعاة التكامل الشعري ,ومن هذا المنطلق سأبدأ دراستي هذه في قراءة واقع الشعر الشعبي (كخطاب شعري وشعراء وممارسات وجمهور ).
فالخطاب الشعري يمر و(بالاشعور) بردة جاهلية أفرزتها الظروف الكارثية التي مر ويمر بها العراق الأمر الذي أسفر عن هوة شعرية مابين الشعر الستيني والسبعيني وما طرح من شعر بعد السبعينات أي مطلع الثمانينيات وما تلتها من سنين عجاف حينما استخدم الشعر الشعبي كي يكون مبشرا بقيم الحرب والقوة والثأر الأعمى عبر المهرجانات الشعرية التي يتفاخر بها احد شعرائنا الكبار بأنها (قصائد النسيج الوطني) والتي كانت عبارة عن حفلات سمر تزف أبناءنا مجبرين لا مخيرين لمثواهم الأخير لأنها حسب ذاكرته كانت تحمل شعار (كل شيء من اجل الحرب) أو (للبعث تصدح قصائد الشعراء) وهذا الاستخدام للشعر بشر بولادة جيل جديد من الشعراء انحرفوا بالشعر الشعبي العراقي فنقسمت الساحة الشعرية لمرحلتين .
المرحلة الأولى مرحلة سلطة الشعر التعبوي أي شعر السلطة الذي كان يستنهض ما تبقى من الهمم عند المواطن العراقي للوقوف إلى جانب السلطة ولهذا الشعر فرسانه الذين مازالت صورتهم تحتفظ بها ذاكرة الشعب .
أما المرحلة الثانية هي مرحلة الندب والعبث الشعري الذي نتج عن سقوط السلطة من هرم القوة ,ومن يحاول أن يقرأ هاتين المرحلتين جيدا سيرى جيدا ما مر به الشعر من بروز لقيم العسكرة والسوط وغياب سلطة الصور الشعرية التي تبشر بقيم الحب والمودة والفطرة الاجتماعية الواعية ,وهذا ما يطلق عليه ردة جاهلية فحينما تستبدل قيم المحبة والتسامح بقيم الثأر والدعوة لسفك الدم وان تكون القصائد لا تتحدث إلا عن الدم والحرب او الندب كالنسوة عن الوطن دون ان تعطي للأجيال القادمة فسحة من الأمل كي يواصل ما بدأته أنت على اقل تقدير يعني انك استبدلت القيم الفاضلة التي نادى بها رسولنا الأعظم محمد (ص ) في بناء المجتمعات بقيم ابو لهب في إثارة النعرات .
فما مر به الشعر الشعبي العراقي خلال الثمانينات والتسعينات من تجييش وعسكرة يدعونا للتسليم بالنظرية القائلة ان نهاية السبعينات هي نهاية الشعر الشعبي الجماهيري وماتلته بداية الفوضى الشعرية السلطوية وما وصلنا من شعر خلال فترة ما بعد السبعينات لا يعد امتدادا لذلك الشعر مع الاستثناءات لشعراء لم ينحرفوا عن خط الشعر إلا أنهم لم يسهموا في تطوره .
فالحديث عن أسباب عدم تطور الشعر الشعبي يقودنا لمتاهات عده يقف كبار الشعر في طليعة أسباب انتكاسة الساحة الشعرية (وهنا اقصد الساحة الشعرية وليس الشعر) ويأتي بعدهم الجمهور والإعلام وهذا ما سأحاول أن أتناوله .
فلم تسعف الساحة الشعرية وجود قامات شعرية كبيرة وبقيت نظرية (كبارة ) الشعر محصورة لدى هؤلاء الشعراء بالريادة والمنجز الشعري ولم يتحرروا ليقودوا الساحة الشعرية وتهذيبها مما علق بها من شوائب ,حتى هؤلاء الكبار الذين الآن يتسلمون زمام الاتحاد في المحافظات لم يستطع هؤلاء الشعراء من عقد جلسات خاصة بمناقشة ما يطرح من قصائد ومدى تأثيرها على الساحة الشعرية والمتلقي وبالأخص تأثيرها على تاريخ الشعر الشعبي بصورة عامة ,وهذا هو بيت الداء تفتقد مؤسساتنا الشعرية للعديد من المقومات التي تؤهلها لولادة أجيال شعرية تكمل المسيرة وتكون امتدادا لرواد الشعر الرسالي (وهنا لا اقصد بالرسالي الديني بل القصائد التي تحمل بين طياتها رسالة اصلاحية للآخر) , فقط ما تسعى له المؤسسات الشعرية هو عقد جلسات شعرية بعيدة كل البعد عن أقلام النقاد ,وغياب النقد ساهم كثيرا في تراجع الشعر وأنا حينما أقول تراجع الشعر أقيسه من زاوية واحدة ومهمة هي أن كل الأجيال السابقة كانت تحفظ قصائد الستينات والسبعينات إلا أجيالنا الحالية .
ففي استبيان بسيط أجريته في مدينة العمارة لعينة من المجتمع بلغت (1000 ) شخص تتراوح أعمارهم مابين (15 – 30 سنة) سألتهم لمن تحفظون من الشعراء كانت النتائج كارثية .
ف(500 ) شخص لا يحفظون لأي شاعر باستثناء سماعهم لقصائد الشاعر عريان السيد خلف وغنائيات الشاعرين سعدون قاسم ونعمة مطر وقصائد الشاعر سعد محمد الحسن والشهيد رحيم المالكي واحمد الذهبي والشاعر نائل المظفر بالرغم من توجهه الأخير نحو الشعر الطائفي وقصائد متناثرة من هذا الشاعر او ذاك , يضاف لها قراءتهم لدواوين الشاعر الكبير مظفر النواب وكاظم إسماعيل كاطع وما ينشر في ملحق أدب شعبي في جريدة الصباح .
أما (250 ) شابا في سن المراهقة يميلون للسماع أيضا وليس للحفظ وسماعهم يتمركز بالقصائد السطحية والمباشرة في التجييش الطائفي لبعض من يدعون الشعر وهم ليسوا شعراء بل إرهابيون من الدرجة الأولى وهذا سبق وان تحدثت عنه في مقال لي في ادب شعبي في جريدة الصباح والموسوم (ياوزارة الثقافة اوقفي ارهاب القوافي )
أما (250 ) يرفضون تماما سماع الشعر لما آلت إليه ثقافة البعض ممن لا يفرق مابين منصة الشعر وسوق هرج ممن يستعيرون مفرداتهم (بالشحاطة والمصرنة والحجوجة وداده فخرية ) وإذا تمعنا بنتائج هذا الاستبيان وما افرزه من مواقف سنعي جيدا حجم الكارثة والفترة الحرجة التي يمر بها الشعر الشعبي العراقي في فترته التاريخية هذه .
وهذا ما يدعونا جميعا للحفاظ على ما تبقى من عرق جبين الشعر الشعبي العراقي من خلال محاربة ممارسات عدة ربما سألخصها بالآتي :
1 – محاربة الخطاب الشعري المسموم :
وهو الخطاب الذي يبحر فيه الشعراء نحو الماضي لنبش الخلافات الدينية وإسقاطها على الواقع وربما هذا لايحتاج لمثال لانه المنحى الخطر الذي جنحت له الاقلام بعد سقوط الصنم .
2 – مغادرة الحزن والام والتبشير بغد :
وهذا لايعني ان يكتب الشاعر مايملى عليه بل بالعكس نحن لا نريد الا نقول ان عقولنا ونظرتنا للحياة هي خطايا من سبقنا لذا علينا ان نؤسس للاجيال القادمة عقلية وثقافة جديدة كي لا يكونوا خطايانا .
3 – النهوض بكبارة الشعر :
وهذه دعوة لقاماتنا الابداعية الكبيرة في بغداد والمحافظات في ان يأخذوا دورهم في قيادة الساحة الشعرية وتهذيبها من الابتذال والسموم وعليهم ان يعوا ان كبارة الشعر تحتم عليهم قيادة الساحة الشعرية وليس فقط الانزواء والكتابة من فوق برج عاجي .
4 – الاهتمام بالطاقات الشابة :
وهي دعوة لاحتضان الطاقات الشعرية الشابه التي اتت للشعر بسرعة البرق وتشذيب ملكتهم الشعرية من الافكار المسمومة وافهامها بأنها وسط انقسام المؤسسات الدينية والسياسية وازمة الثقة مابين الجماهير وهذه المؤسسات بات من الضروري على الشاعر ان يعزز ثقته بالجماهير ليعود ذلك الزمن الجميل وقت كانت القصائد تقود التظاهرات وتسقط حكومات .
5 – السعي لتأسيس مؤسسة شعرية تنظيمية بنظام داخلي محكم :
يتسنى للساحة الشعرية عدم قبول من هب ودب الا بعدما يمر بفترة تمرن ويعي اهداف الشعر والمؤسسة في بناء مجتمع وعقلية عراقية جديدة .
6 – الابتعاد عن الإقصاء والتهميش :
وهذه ظاهرة يجب الابتعاد عنها في الوقت الذي استشرت فيه وأصبحت الساحة الشعرية طاردة لأبنائها بسبب إقصاء المؤسسات الشعرية والإعلامية الخاصة بالشعر الشعبي وإهمالها لشعراء ظلمت إعلاميا ومن واجب الجميع إظهارها من خلال عدم احتكار المهرجانات الشعرية لهذا وذاك وعدم اللجوء للطرق الملتوية كالعلاقات والمجاملات في دعوة هذا والتنكيل بآخر من خلال عدم دعوته للمهرجانات .
7 – الابتعاد عن تسويق الأقلام الهابطة :
والتي في ماضيها الشعري أكثر من نقطة سوداء ومنهم فرسان الشعر الطائفي الذين فضوا بكارة العلاقة العذرية مابين مدينة الصدر والاعظمية .
8 – تأسيس رابطة لنقاد الشعر الشعبي :
أسوة برابطة نقاد المسرح تأخذ على عاتقها عملية النهوض بالخطاب الشعري بعيدا عن الخلافات الشخصية ويكون الهدف الأسمى هو الارتقاء بالشعر الشعبي العراقي فقط .
9 – تشذيب المهرجانات والاماسي من الأجواء المصفقة :
التي تدعى ليس للاستمتاع بالشعر بل بالتنكيل بالشعراء كما حدث جليا في مهرجان شبكة الاعلام العراقي حينما دعت جوقة من المصفقين من مدينة الصدر للتنكيل بشعراء المحافظات .
10 – عقد مؤتمرات نصف سنوية :
هدفها دراسة واقع الشعر الشعبي وسبل الارتقاء بخطاب الشعراء وتقييم الساحة الشعرية .
11 – محاربة الشعر التمجيدي :
والكف عنه لأنه فلسفة بعثية نمارسها بالفطرة ولا نشعر بما تخلفه هذه الظاهرة من سوء في مسيرتنا الشعرية إلا بتقادم الزمن .
12 – الانفتاح على الآخر :
بغض النظر عن خلافاتنا الشخصية معه هو أكثر ما نحتاجه الآن وخصوصا انفتاح المؤسسات الإعلامية على الشعراء كملحق أدب شعبي وغيرها من المؤسسات التي تعنى بالشعر الشعبي العراقي .
أما الحديث عن مؤامرة الوسط الثقافي فكثيرة ربما أكثرها إيغالا هو نظرة بعض مثقفي اللغة العربية البرجوازيين للشعر الشعبي بأنه شعر العامة والجهلة وان سلامة اللغة العربية يتطلب هذا العداء لهذا النمط الشعري متناسين أن كبار الشعر العربي في بغداد نهاية العصر العباسي راحوا ينظمون شعرا عاميا بعدما اكتشفوا أن الشعر الفصيح أصبح اقل تأثيرا بالرعية وربما ان كلمة الهرم الكبير (لفريد سمعان ) دليل على ذلك حينما قال (الشعر الشعبي يمتلك جمهورا لايمتلك الشعر الفصيح )وان الحقيقة تقول ان لكل أمة شعرا جماهيريا تعده من كنوز أصالتها والشعر الشعبي والنبطي كنزان عربيان ينتميان للصحراء والعامة .
وختاما فإن الشعر الشعبي يبقى رهين مؤامرة الخارج من مثقفي البرجوازية العربية وإمعان الداخل أي الشعراء الشعبيين من خلال جهلهم ومباشرتهم وتطبيلهم وتزميرهم لهذا وذاك, ما لم يسعَ الشعراء أنفسهم للوقوف والتأمل قليلا بما آل إليه الشعر والشعراء وأسباب عدم تأثيره بالمتلقي .
وبالتأكيد سيكون الجواب نحن بحاجة للارتقاء بذائقة المتلقي وهذا لا يتحقق إلا بعدما نتناسى خلافاتنا ووضع خطط لتصحيح مسار الشعر الشعبي العراقي من اجل بناء الإنسان وسط عجز الدولة عن بناء العمران .

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان