فائز الحيدر
الحلقة الثانية والاخيرة
أتعلم أم أنت لا تعلم بأن جراح الضحايا فـم
الجواهري يلقي قصيدته أخي جعفر عام / 1948
وفي الأربعينات والخمسينات توافد على هذا المقهى الى جانب الجواهري ، بدر شاكر السياب والبياتي وعبدالأمير الحصيري والكثير من وجوه الفكر والأدب .
ومن المقاهي المشهورة في جانب الكرخ ( مقهى البيروتي ) ويقع في الجهة الغربية لنهر دجلة المسماة بالكرخ وتحديداً عند نقطة التقاء محلتي الجعيفر والعطيفية ، وكان من رواده العديد من الادباء والشعراء والفنانين ومنهم المرحوم ملا عبود الكرخي . واختير اسمه نسبة الى مقهى البيروتي الذي يقع في ساحة الشهداء الذي غرق بغرق بغداد في الخمسينيات من القرن الماضي ، والمقهى ببنائه الجميل وموقعه الرائع على شاطئ دجلة بجعله اسماً ضمن اسماء مقاهي بغداد القديمة .
والقادم من جانب الكرخ عندما يعبر جسر الأحرار وينعطف يمينا” يقع هناك وعلى بعد أمتار قليلة مقهى شط العرب هذا المقهى الذي كان مناسبا” لشريحة الطلبة وهم يستعدون لأداء الامتحانات النهائية حيث كنا نعقد الاجتماعات السرية لاتحاد الطلبة العام واتحاد الشبيبة الديمقراطي والتي كانت محظورة في فترة نهاية الستينات والسبعينات . وعند مواصلة السير باتجاه الباب الشرقي يقع على مقربة منه السوق المركزي ( أورزدي باك ) وتقع مقابله سينما الوطني وسينما الرشيد بأفلامهما العربية القديمة حيث يمكن للمرء مشاهدة فلمين في وقت واحد ، وعلى بعد عشرات الأمتار يقع مقهى البرازيلية وهو أحد مقاهي بغداد المشهورة والعريقة ، يقع في محلة المربعة باتجاه الباب الشرقي قرب سينما برودواي ، كان مكان لقاء لطلبة الكليات والطبقة المثقفة والأدباء والشعراء ومكانا” مناسبا” لعقد الاجتماعات الحزبية السرية ايضا” وسمي من قبل بعض الأدباء بالمقهى الأرستقراطي نظرا” لاستغنائه عن تقديم الشاي وتقديمه القهوة السادة والنسكافيه مع الحليب لزبائنه ، كانت رائحة البن المستورد تجبر رواده على الاستدارة لتناول فنجان القهوة اللذيذة المشهورة والتي يحضّرها ( القهوجي ) على البخار من مرجله الخاص منذ أربعينيات قرن العشرين .
وقد شهد هذا المقهى المرحلة الذهبية من تاريخه مع جيل الخمسينات في مجال الشعر والقصة والرواية والفن التشكيلي ومنهم الشاعر العراقي مثل بلند الحيدري وعبدالوهاب البياتي وغائب طعمة فرمان و جواد سليم الذي كتب في مذكراته (( الآن عرفتُ اللون ، الآن عرفتُ الرسم )) وفائق حسن ، تلك الأسماء التي اصبح لها شأنها في الحياة الثقافية العراقية فيما بعد . كنا نتردد على هذا المقهى في فترة الستينات من القرن الماضي وفي المرحلة الجامعية كنا نتخذ من قسمها الخلفي مكانا للدراسة عند قرب الامتحانات النهائية للهدوء الذي يتميز به المقهى ونوعية الزبائن الذين يترددون عليها ، وكان مكانا” مناسبا” للاطلاع على آخر أخبار السياسة والأدب والثقافة ومطالعة الصحف والمجلات التي توفرها المقهى وبذلك سنحت لنا الفرصة للتعرف على العديد من الأدباء والفنانين العراقيين .
وفي فترة الخمسينات من القرن الماضي شهد المقهى الشعبي ( مقهى ياسين ) تردد الوجوه الأدبية والثقافية من شعراء وكتاب وفنانين واصبح مركزا” لمناقشة الشؤون الفنية والأدبية وأصبح مكانا” لاستحداث النظريات الفنية كما يقول الفنان التشكيلي ( شاكر حسن آل سعيد ) كما وشكل ( مقهى البلدية ) في باب المعظم ، مكانا” للقاء الشاعر بدر شاكر السياب وبلند الحيدري والحصيري وغيرهم العشرات . ومن مقاهي شارع الرشيد أيضا” والمشهورة هو ( مقهى البرلمان )، ويقع مقابل جامع الحيدرخانة والذي يذكرنا بالشاي المهيل والحامض الذي يقدمه للزبائن ، ومن اهم رواده الشاعر الجواهري وقصائده الحماسية
ومن الشوارع الثقافية في بغداد شارع المتنبي الذي يبدأ من شارع الرشيد قرب ساحة تمثال الرصافي . ويحتوي العديد من المكتبات المتراصّة على جانبي الشارع ومنها : مكتبة النهضة ، مكتبة التربية ، مكتبة الشطري ، المكتبة الأهليّة ، مكتبة المثنى لقاسم محمد الرجب والتي تعتبر من كبرى مكتبات شارع المتنبي ، ويعود تاريخ تأسيسها الى بدايات الحرب العالمية الأولى . سمّي هذا الشارع سابقاً بـ( الأكمكخانة ) وتعني المخبز في اللغة التركية ، وفي نهاية شارع المتنبي مقابل سوق السراي يقع ( مقهى الشابندر ) ( الشاه بندر ) الذي أنشأ في عام 1917 في بداية الاحتلال البريطاني لمدينة بغداد وسمي باسم اصحابه من اسرة الشابندر العائلة البغدادية القديمة ، ويمتاز هذه المقهى بالطراز المعماري البغدادي الاصيل ويعتبر من اهم المواقع الاثرية في بغداد . ويحيط به ( القشلة العسكرية ) وهي سراي الحكم والمؤسسات الرسمية التي ضمتها القشلة والمدرسة الرشيدية العسكرية التي شغلت في عهد الدولة العراقية ( المحاكم المدنية) .
وزينت جدران المقهى الداخلية بالتصاوير الفوتوغرافية القديمة التي تعود الى بغداد في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين . كما وضعت في داخل المقهى وعلى مكان مرتفع السماورات والاراكيل القديمة التي تدل تراثية الأشياء القديمة التي عرفها البغداديون عبر تاريخهم الطويل .وشهد المقهى تأسيس اول اتحاد للكتاب العراقيين حيث كان يتردد عليه الصحافيون والأدباء والباحثون ووجوه المجتمع ، وأصبح مسرحاً لمناقشاتهم وحواراتهم الفعالة والاستماع لأغاني مطرب المقام العراقي رشيد القندرجي .
والى جانب المقاهي الثقافية هناك مقهى من نوع آخر يختلف في رواده عن المقاهي الأخرى وهو ( مقهى ام كلثوم ) الذي تأسس في أواخر سنة 1968 في مدخل شارع الرشيد ببغداد قرب ساحة الميدان حيث تشدو هناك كوكب الشرق بأغانيها المؤثرة منذ الصباح وحتى المساء إضافة إلى إسماع الزبائن الأغاني الوطنية والدينية وعلى مدار اليوم . و يرتاد المقهى العديد من الشرائح الثقافية منهم الشعراء والكتاب والصحفيون والفنانون والتشكيليون ومحبو صوت كوكب الشرق من مختلف الطبقات الاجتماعية للاستماع لأرفع ما كتبه الشعراء من قصائد للغناء العربي . كما ويتردد عليها التجار والموظفون والادباء ، والعمال يلجؤون اليها طلباً للراحة ويجلسون فيها ويدخنون الاراكيل والسكائر ويشربون بعض اكواب الشاي والقهوة حيث يشعر فيه المرء عند الجلوس بالبساطة والانزواء بعيداً عن هموم ومتاعب الحياة .
مقاهي اليوم….
واليوم وبعد مرور أكثر من خمس سنوات على إسقاط النظام الديكتاتوري يمكننا ان نلمس حقيقة الوضع المزري الذي يعيشه الوسط الثقافي والأدبي والإعلامي العراقي ، وهو تحت وطأة الاحتلال والطائفية وانحسار الثقافة بكل اشكالها والتصفيات الجسدية لرموزها والتي كان آخرها اغتيال المفكر كامل شياع إضافة لأعمال الخطف والاضطهاد والاعتقال والتهديد والابتزاز الذي يعاني منه المثقفون العراقيون بشكل يؤدي إلى استحالة قيامهم بمهماتهم الثقافية والحضارية . فالوسط الثقافي والإعلامي يمر اليوم بمحنة كبيرة نتيجة تسلط القوى الدينية والطائفية المتخلفة على مجمل الثقافة العراقية . .. وغزت الأسواق الأدبية الكتب الدينية والخرافية والأساطيرالتي تروج للطائفية من بلدان الجوار ومنعت الأغاني والموسقى والرقص الشعبي وحوصرت المهرجانات الشعرية والأدبية والمسرحية وأصبح الحصول على المال هو البديل عن الأعمال الإبداعية من خلال الفساد الأداري والمالي الذي يعم الوطن .
ومع تطورات الأوضاع السياسية في العراق وانحسار الثقافة بكل أشكالها هاجر العشرات من المثقفين والأدباء والفنانين الى بلدان الجوار ومنها سورية ، حيث وجدوا فيها مناخاً مشابهاً لمناخ بغداد الثقافي ، و بيئة مناسبة تشابه شارع المتنبي او شارع الرشيد او باب المعظم من حيث وفرة الكتب في المكتبات الدمشقية او على أرصفة الشوارع التي تعرض الكتب القديمة او في المقاهي القديمة التي تشتهر بها دمشق والتي تشبه الى حد بعيد مقاهي بغدادية الشعبية . شخصيات ادبية وثقافية عراقية عديدة سبق وترددت على مقاهي دمشق مثل مقهى المرجة ومقهى الروضة ، ففيها لمعت اسماء من خيرة شعراء العراق امثال الجواهري والرصافي وأحمد الصافي النجفي ومصطفى جمال الدين وبدر شاكر السياب وحسين مروان ومظفر النواب وعبد الوهاب البياتي وبلند الحيدري وسعدي يوسف وغيرهم عديدون. كما وفي مقاهي دمشق القديمة لمعت اسماء خيرة السياسيين والعلماء والكتّاب والفنانين العراقيين طوال العقود الماضية ، فهناك عاش وتردد على هذه المقاهي عزيز شريف وصفاء الحافظ وجورج تلو وحسين جميل وجواد سليم ومحمد غني حكمت ، ومن الفنانين والمسرحيين المحدثين جبر علوان وجواد الأسدي وكوكب حمزة وطالب القره غلي وغيرهم .
وفي هذه الأيام خسرت بغداد الكثير من مقاهيها الأدبية والثقافية التي ابتعد عنها روادها بسبب فقدان الأمن ، فمقاهي بغداد الثقافية أيام زمان قد فقدت بريقها واندثر غالبيتها وما بقي منها أصبح بعيدا” عن الأدب والثقافة ، فتحول مقهى البرلمان الى مطعم وأصبح مقهى عارف ورشات حرفية وشيدت المكتبة الوطنية على أنقاض مقهى البلدية ، وشيدت عمارة تجارية مكان مقهى ياسين الذي كان ملتقى للسياسيين والأدباء ، وتحول مقهى البرازيلية الى مخزن لبيع الأقمشة وتحول مقهى الشابندر الى مكان للقاء العاطلين عن العمل . وبذلك تحولت المقاهي الأدبية الشهيرة أيام زمان أمكنة وملاذا” لكبار السن والعاطلين عن العمل للانزواء في اركانها المظلمة بغية تمضية الوقت والتدخين وشرب النركيلة ولعب القمار والدومينة والطاولة خلاصا” من جحيم الحياة المملة التي يعيشها العراقيون هذه الأيام ، وبذلك تراجع الادباء والمثقفون من ارتياد هذه المقاهي واصبحت اجهزة الاتصال الحديثة مثل ( الانترنت ) والتلفونات المحمولة تعوض عن اللقاء المباشر فيما بينهم ، مما سبب في تقطيع الاوصال الثقافية والادبية وادت الى ظهور أناس يدعون الثقافة وهم لا يملكون سوى الثقافة الطائفية والعنصرية .









