الدكتور أحمد زياد محبك
الحلقة الاولى
العجائبية نزعة إنسانية، قوامها ابتكار ما هو عجيب، والعجيب هو ما يكسر المألوف، ويتجاوز الممكن، ليخترق المستحيل، ويحقق ما لا يمكن تحقيقه، محدثاً بذلك حالة من الدهشة، معتمداً على الابتكار الذي يقيم علاقات غير متوقعة وغير ممكنة بين الأشياء، والعجيب هو من نتاج خيال عفوي بسيط أقرب إلى السذاجة، وهو خيال مصدق كأنه حقيقة واقعة، ومصدره روح شعبية، وغالباً ما يأتي لتحقيق الخلاص عندما تنعدم كل الحيل وتنقطع كل السبل، وهو تعبير عن قهر داخلي أو حرمان وقمع، أو محض انطلاق خيالي لتحقيق المتعة الفنية، وكلما كان موغلاً في اختراق المستحيل كان أكثر تأثيراً، ولعل مرجع العجائبية إلى رغبات أولية غير مشبعة لدى الإنسان، فهو من خلال العجائبية يحقق كثيراً من الرغبات المستحيلة، والعجائبية تظهر في أشكال كثيرة من الإبداع منها الحكايات الشعبية.
العجيب المبني على الإرادة الإلهية وفق التصور الشعبي
ومن الممكن ملاحظة عدة أنواع من العجيب، منها العجيب المبني على إرادة إلهية، وفق التصور الشعبي، فإذا العجيب أشبه بمعجزة نبي أو كرامة ولي، والحكاية تلمح إلى ذلك ولا تصرح، ومن ذلك ما يحكى عن رجل قتل تسعة وتسعين رجلاً، ثم رأى أن يتوب، فقصد شيخاً بعد منتصف الليل، ويده على خنجره، ليسأله، إن كان من الممكن قبول توبته، ولكي يتخلص منه الشيخ ويدفع عن نفسه الأذى يناوله قضيباً حديدياً، ويقول له: خذ هذا المحراك، واغرسه، فإن نبت وأورق غفر الله لك، ويمضي الشقي بالمحراك، ويمر في الطريق بمقبرة، فيسمع حركة غريبة، فيقترب، فيرى رجلاً يحفر في قبر، وهو يغمغم معبراً عن عزمه على النيل من صبية ميتة لأنه لم يتمكن من النيل منها وهي على قيد الحياة، فيضربه بالقضيب فيقتله، كي ينقذ عرض المرأة الميتة، وبذلك يتم عدد قتلاه مائة، ثم يضع على القبر علامة، ويغرس القضيب إلى جواره، ويرجع في صباح اليوم التالي إلى القبر الذي وضع عليه العلامة، فيجد شجرة كبيرة إلى جواره، ولا يجد أثراً للقضيب، فيدرك أنه تحول إلى شجرة، فيقتلعها من جذورها، ويمضي بها إلى الشيخ، وحين يخرج إليه، يدرك أن الله تعالى قد غفر له، فما يكون منه إلا أن يزوجه ابنته الوحيدة.
والعجيب في الحكاية هو تحول القضيب الحديدي إلى شجرة مورقة، والغاية من هذا العجيب هي القول إن باب التوبة مفتوح دائماً، وإنَّ في داخل الإنسان نزعة أصيلة نحو الخير، وهو لا بد عائد إلى جادة الصواب مهما ابتعد عنها، وهذا ليس بمستحيل بشرط أن تتوفر لدى الإنسان الإرادة الصادقة على نحو ما توافر لدى ذلك الرجل.
ومن الجميل اختيار الحكاية الشجرة يتحول إليها القضيب لما في الشجرة من دلالات الخصب والإثمار والحياة، ومن الجميل أيضاً ثقة الحكاية بالإنسان وقولها إن في الإنسان إرادة خيرة لا يمكن أن تموت مهما طغى الشر.
ومن هذا النوع أيضاً ما يحكى عن زوجة عاقر لم ترزق بولد، فتمنت من الله تعالى أن يرزقها ولداً ولو كان بطول عقدة الإصبع، واستجاب الله دعاءها، فحملت ووضعت ولداً بطول عقدة الإصبع، والعجيب ههنا تعبير عن شدة حاجة الإنسان إلى الولد، ولا سيما المرأة، إذ لا يغني عن الولد شيء من مال أو عقار أو سواه، ولفرط شدة هذه الحاجة كان سؤال المرأة لله تعالى أن يرزقها بولد ولو كان بطول عقدة الإصبع لأنه يشبع لديها هذه الحاجة.
وتشبهها الشبه كله حكاية شعبية وردت في كتاب: ” حكايات الأطفال والبيت ” (1812)للأخوين جاكوب (1785ـ 1863) وفيلهلم جريم ( 1786ـ 1859) وقد جمعا فيه مائتي حكاية شعبية ألمانية، وتروي الحكاية أن امرأة لم ترزق بولد فتمنت الأمنية نفسها، وكان لها ما أرادت، ولا فرق بين الحكايتين سوى طبيعة المغامرات التي يمر بها فيما بعد الولد الذي هو بطول عقدة الإصبع، ولعل في هذا ما يدل على وحدة الخبرة الإنسانية وتشابهها وتشابه أساليب التعبير عنها، أو تواصل الشعوب بعضها مع بعضها الآخر وتبادلها الحكايات، وتأثر بعضها ببعضه الآخر.
وثمة حكاية عربية أخرى تم التعبير فيها عن الحاجة إلى الولد بأسلوب عجائبي أيضاً، وهي تروي أن امرأة عاقراً دعت ربها متمنية أن تحمل ولو بخنفساء، فاستجاب الله دعاءها، فحملت ووضعت خنفساء، وكانت تقعد أمام باب الدار، لتتسلى بالفرجة على الرائح والغادي، وذات يوم مر الجمل بالخنفساء، فعرض عليها الزواج، فاستشارت أمها، فقالت لها: ” اصرفيه، لأنه بخبطة من قدمه يقتلك” ثم مرّ بها الحمار، فعرض عليها الزواج، فاستشارت أمها فقالت لها مثلما قالت عن الجمل، ثم مرَّ بها الجرذ، فاستشارت أمها، فوافقت، وخرجت لتخبره بموافقة أمها، فبسط لها ذيله، فتسلقت عليه، حتى بلغت ظهره، فتشبثت به، ومضى يعبر بها الأزقة، ثم دخل في بالوعة، وأخذ يجتاز بها المجاري، حتى بلغ قصر الملك، فخرج من بالوعة في مطبخ القصر، وأنزلها قرب ما يلقيه الخدم من بقايا طعام، وكان عرس ابن الملك قائماً، فأخذ الجرذ والخنفساء ينعمان بأطايب الألوان، ثم أحست الخنفساء بالعطش، فحملها على ظهره، ومشى بها حتى بلغ بركة القصر، والناس مشغولون عنهما بالموائد والأفراح، ودنت من الماء لتشرب، ولكن قدمها زلت بها، فوقعت في البركة، وغرقت.
والحكاية تروى على الأغلب للأطفال، لإضحاكهم وتسليتهم، وهي جميلة جداً، وذات قدرة على إثارة الضحك، وما تمتاز به هو اعتمادها على الحيوانات الصغيرة، مما يساعد على إثارة الخيال، وتحقيق عنصر الإضحاك. ولكن الحكاية من جهة أخرى تحمل دلالات كبيرة، غير مباشرة، فهي تدل على فقر العامة وضعفهم وحرمانهم وسوء أحوالهم، ويظهر ذلك من خلال المرأة التي حُرمت الولد، فتمنت لو رزقت ولو بخنفساء. ويتأكد ذلك من خلال رفض المرأة تزويج ابنتها الخنفساء للجمل أو الحمار، وتزويجها للجرذ، ومرجع ذلك ليس إلى التناسب في الحجم، كما هو في الظاهر، إنما مرجعه إلى قدرة الجرذ على التسرب داخل السراديب والوصول إلى قصر الملك، ليوفر للخنفساء عيش القصور، على حين لا يستطيع الجمل أو الحمار شيئاً من ذلك، فالأول يعيش في الصحراء، حيث القحط، ويمضي عمره في الأسفار، والثاني يعيش عمره يكد ويكدح ويحمل الأثقال ولا يجني شيئاً.
وبذلك يتأكد حلم العامة دائماً بقصور الملوك وتخيلهم أن العيش فيها هو الأمثل، كما يتأكد غياب وعيهم، ولكن النهاية تأتي مفجعة، إذ تغرق الخنفساء في بركة القصر، وبذلك ينكسر الوهم والحلم ويتحطم الخلاص، ويظهر أن القصر ليس هو الخلاص الحقيقي، إن الحكاية وهي تتوجه إلى الصغار إنما تدلّ على قهر الكبار، وشعورهم بالحرمان وإحساسهم بالضآلة والضعف، واضطرارهم إلى التعبير بأسلوب الرمز والحلم والخيال.
والعجيب في الحكاية مدهش ومضحك، يتمثل في الخنفساء، ولكنه فاجع ومؤلم، وهو ذو طابع رمزي يحمل دلالات اجتماعية مكثفة.









