بقلم: صباح علال زاير
أول من عاقبني في حياتي الدراسية كان أستاذي الفاضل عبد المطلب البكاء معلم التربية الدينية للصف الأول الابتدائي بمدرسة الأماني المسائية.. نعم أتذكر تلك الليلة جيداً، حين دعوتنا- نحن تلاميذك يا سيدي- في ليلة من ليالي تشرين الثاني 1973 ، لقراءة سورة الإخلاص، وحين جاء دوري، أخبرتك بأني باشرت الدوام قبل ساعات فقط، ولم أكن حاضراً في الدرس الماضي، لكن عذري هذا لم يسعفني، فمددت يدك المباركة إلى عصا قريبة، فنالت يداي الناعمتان من بركاتك أربع لسعات موجعة.
وبعد كل لسعة كنتَ تصكَّ أسنانك بقوة وتعيد النظر اليَّ، كأنك تستكشف معالم تلك الأوجاع.
في تلك اللحظات المريرة دخل أخي (ناصر) ليستعير شيئاً ما لصفه (الثالث)، ففوجئ بالمشهد، وأراد مازحاً أن يرطب أجواء التشنج فأخبرك بأني وقحٌ وأستحق العقاب، دون أن تعلم أنه أخي الأكبر، عندها أمرتني أن أدير كفي لتكون ضربة العصا من القفا هذه المرة، ونلت نصيبي بمنتهى الألم والحزن والأسى، ولشدة وجعي أطلقت نوبة من البكاء كنت قد حبستها طيلة ما مضى..تلك كانت أول عصا لامست يدي…
استمر وجودك طيلة السنوات الدراسية الثلاث اللاحقة، كنت فيها التلميذ المتفوق في مادتك، وفي باقي المواد قبل أن اغادر منتقلا إلى مدرسة أخرى بحسب سكني!!
ومنذ العام 1977 انقطعت اخبارك عني، مع كل ما احمله عنك من ذكريات وأحداث مضت قبل أن اتناول سيرتك في الشهرين الماضيين مع قريب لك جمعتني به الصدفة، ومما أسعدني انك بخير وقد تجاوزت الخامسة والثمانين من عمرك المديد، كما علمت انك تسكن مدينة النجف الاشرف منذ ثلاثين عاما، فأسرعت أسابق الزمن لالتقيك.. وأقبل ذات اليد التي عاقبتني (بلا حق) منذ 42 عاما..فقد كانت عصاك أول درس أفادني، رغم (وجعه) الشديد.. فشكرا لك سيدي، وشكراً للزمن الذي منحني فرصة اللقاء بك… فهذه يدي (عاقبها) كيفما شئت، فهي اليوم أكثر صلابة من ذي قبل، ولم تعد طرية مثلما كانت بالأمس… نعم عاقبها يا سيدي، كي تفخر ان عصا عبد المطلب البكاء مرت عليها، ولا مست أطرافها..
سيدي الجليل: مازالت هيبتك شامخة في روحي وعقلي، وثق بأني أشتاق لعينيك، وهي تراني من جديد طفلاً باكيا من شدة العقاب، أو ضاحكا فرحا بتفوقي، حاملا شهادتي وأنا أركض صوب والدتي التي اعتادت مسبقاً على إحضار (حلاوة) نجاحي، مع الواهلية أم الدرهم، في وقت يتسلم أبي درجاتي بوقار من أجل أن يؤرشفها مع أوراقه المهمة.. آه أيها البكاء الكبير، لقد أبكتني الذكريات أكثر مما أبكتني عصاك.. وأوجعني الزمن أكثر مما اوجعني يوماً ضربك على ( قفا) اليد..
دم لنا معلماً عظيماً نفخر به، ودامت لنا عصاك (المعلمة)!!









