الاخيرة

الدكتور مفيد الناصح… ملحن الشجن العراقي وصانع الألحان الخالدة

رحيم الحلي

أشعر بالقلق لغياب الملحن الكبير الدكتور مفيد الناصح، بعد أن تعودنا في مجموعة الأغنية العراقية على منشوراته الموسيقية الثرية، التي كانت تنشر الفرح والأمل بين محبيه. أتمنى أن يكون بخير ويتمتع بالصحة والعافية، وأن يعود قريباً ليواصل منشوراته الجميلة التي اعتدنا عليها. تحياتي وتقديري لهذا الفنان والمثقف الكبير، فهو من جيل الملحنين الذين أسهموا في صناعة العصر الذهبي للأغنية العراقية، و يبرز اسمه بوصفه واحداً من صناع الاغنية الذهبية. ملحن نجح في تقديم مجموعة من الأغنيات الجميلة، و موسيقي مثقف وأكاديمي وباحث جمع بين العلم والفن، واستطاع أن يترك بصمة واضحة في تاريخ الأغنية العراقية الحديثة.

ولد مفيد الناصح في البصرة عام 1948، ونشأ في بيئة محبة للفن والثقافة. ومنذ سنواته الأولى انجذب إلى الموسيقى، متأثراً بكبار الملحنين والموسيقيين العرب والعراقيين. بدأ العزف والتلحين مبكراً، حتى سجل أول أعماله للإذاعة العراقية مطلع سبعينيات القرن الماضي، لينطلق بعدها في رحلة إبداعية طويلة جعلت منه واحداً من أبرز ملحني العراق.

في تلك السنوات كانت الأغنية العراقية تشهد مرحلة ازدهار حقيقية، واستطاع مفيد الناصح أن يفرض حضوره من خلال ألحان جمعت بين الأصالة والتجديد، باستخدام ادوات ولغة موسيقية حديثة. وتميزت أعماله بثرائها اللحني وقدرتها على ملامسة الوجدان، الأمر الذي جعلها تعيش طويلاً في ذاكرة المستمعين.

ارتبط اسمه بعدد من كبار المطربين العراقيين، وكان من أبرزهم الفنان الراحل فؤاد سالم الذي قدم مجموعة من أشهر ألحانه، ومنها «شوق الغريب» و«بحر عينك» و«شنهو السبب» و«لا تحير». وقد أصبحت هذه الأعمال جزءاً من الذاكرة الغنائية العراقية، لما حملته من شجن عميق وإحساس صادق.

كما كانت له تجربة مهمة مع الفنان الدكتور فاضل عواد، الذي غنى له واحدة من أشهر الأغنيات العراقية وهي «يل جمالك سومري»، الأغنية التي حققت نجاحاً كبيراً وفازت بجائزة أفضل أغنية في مهرجان دمشق للأغنية العربية عام 1977، لتؤكد مكانة مفيد الناصح كأحد أبرز صناع اللحن العراقي في تلك المرحلة.

لكن شخصية مفيد الناصح لم تقتصر على الجانب الفني فقط، فقد كان أكاديمياً مرموقاً متخصصاً في العلوم الزراعية والثروة السمكية، وحقق إنجازات علمية مهمة في هذا المجال. وقد جمع طوال حياته بين المختبر وقاعة المحاضرات من جهة، وبين العود والنوتة الموسيقية من جهة أخرى، في تجربة نادرة قلما تتكرر.

ومع اضطراره إلى مغادرة العراق، حيث عاش سنوات طويلة في المهجر امتدت لأكثر من أربعة عقود، وحين زرته في بيته في مدينة بودابست الجميلة، شاهدت عراقاً صغيراً وانساناً مثابراً لم ينقطع عن الموسيقى ولم يفقد صلته بالثقافة العراقية. وخلال تلك السنوات واصل التأليف الموسيقي والكتابة والبحث، محافظاً على حضوره في ذاكرة محبي الأغنية العراقية.

ويُقال إن رصيده الفني يتجاوز مئتي مقطوعة موسيقية، فضلاً عن عشرات الأعمال والألحان التي لم تُنشر أو تُسجل بعد. وهو رقم يكشف حجم العطاء الذي قدمه هذا الفنان الهادئ البعيد عن الأضواء والصخب الإعلامي.

وفي عام 2023 عاد الدكتور مفيد الناصح إلى بغداد بعد غياب دام أربعين عاماً، فاستقبلته الأوساط الفنية والثقافية بمحبة كبيرة، باعتباره واحداً من الأسماء التي أسهمت في بناء هوية الأغنية العراقية الحديثة، وكتبت صفحات مشرقة من تاريخها.

إن الاستماع إلى ألحان مفيد الناصح اليوم لا يعني العودة إلى الماضي فحسب، بل يعني اكتشاف قيمة فنية حقيقية استطاعت أن تتجاوز الزمن. فقد كان ملحناً يمتلك حساً موسيقياً رفيعاً ورؤية فنية واضحة، ولذلك بقيت أعماله حية في الوجدان العراقي رغم مرور العقود.

وسيظل اسم الدكتور مفيد الناصح مرتبطاً بالأغنية العراقية الأصيلة، بوصفه واحداً من كبار ملحنيها، وأحد الفنانين الذين منحوا الموسيقى العراقية جزءاً من أجمل ألحانها وأكثرها صدقاً وإنسانية.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان