الحقيقة – خاص
في ظاهرة غير مألوفة، كشفت وزارة المالية العراقية مبكرا عن مسودة الموازنة المالية للعام المقبل، بعد أن كانت تتأخر طويلا، وأحيانا لا يتم إقرارها حتى ينقضي العام المالي، مثلما حدث في موازنة عام 2013.
وأظهرت مسودة الموازنة، التي نشرتها الوزارة في موقعها على الإنترنت أن الوزارة تقترح موازنة يقل حجم الإنفاق فيها قليلا عن 100 مليار دولار، وتتوقع أن يصل العجز فيها إلى ما يقارب 26 مليار دولار.
ويكمن الأمر الإيجابي في الموازنة أنها استندت إلى توقعات متشائمة في تقدير العوائد النفطية، أي أنها تحسبت لأسوأ الاحتمالات، حين استندت إلى سعر يبلغ 45 دولارا لبرميل النفط، وأن يصل متوسط الإنتاج إلى 3.6 مليون برميل يوميا.
وتفتح تلك التقديرات أبوابا لاحتمال أن تأتي النتائج المالية أفضل من تقديرات الموازنة المتشائمة، لأن تقدير سعر برميل النفط يقل كثيرا عن جميع توقعات المؤسسات العالمية، التي ترجح أن تبدأ الأسعار بالارتفاع في العام المقبل بعد أن بدأ إنتاج الولايات المتحدة بالتراجع في الشهر الماضي.
كما أن تقدير الإنتاج المتوقع يبدو في حدوده الدنيا، بعد أن أظهرت بيانات التحميل للشهر المقبل أن العراق يخطط لتصدير 3.68 مليون برميل يوميا من خام البصرة، مما يعني قفزة هائلة إلى أكثر من 600 ألف برميل يوميا عن الرقم القياسي السابق الذي بلغ 3.064 مليون برميل يوميا في يوليو الماضي.
وإذا أضفنا ما يتم تصديره من إقليم كردستان، رغم أنه محور نزاع بين أربيل وبغداد، فإن متوسط الصادرات يمكن أن يزيد عن 4 ملايين، وهي مستويات تزيد كثيرا عن الأرقام التي استندت إليها مسودة موازنة العام المقبل.
وتمثل عوائد صادرات النفط المصدر الرئيس للموازنة، حيث تشكل نحو 95 بالمائة من عوائد الدولة العراقية، التي تملك خامس أكبر الاحتياطات المؤكدة في العالم، لكن الكثير من المحللين يرجحون أن تكون احتياطات العراق الأكبر في العالم، إذا تم توثيق الحقول الكثيرة التي لم يتم تقدير احتياطاتها بشكل نهائي.
وتفترض الموازنة استمرار العمل باتفاق أبرم عام 2014 مع إقليم كردستان العراق بشأن إيرادات النفط، تقوم أربيل بموجبه بتصدير يصل إلى 550 ألف برميل يوميا من حقول كركوك وحقول الإقليم لحساب شركة تسويق النفط العراقية (سومو) مقابل أن تمنح بغداد لأربيل 17 بالمائة من مدفوعات الميزانية.
لكن تلك الإمدادات غير مضمونة لأنها موضع شد وجذب بين أربيل وبغداد، وقد أوقف إقليم كردستان تحويل المخصصات لبغداد في يونيو الماضي، وزاد باطراد مبيعاته المستقلة من النفط الخام عبر خط أنابيب إلى تركيا.
وتبعد الحقول الجنوبية التي تمثل أكثر من 85 بالمائة من الإنتاج كثيرا عن المناطق التي يهيمن عليها تنظيم داعش في الشمال والغرب. لكن العائدات تقلصت بسبب تراجع أسعار النفط إلى أكثر من النصف منذ منتصف العام الماضي.
كما تفاقم العجز جراء زيادة الإنفاق العسكري وتكاليف أخرى متعلقة بجهود التصدي لتنظيم داعش، التي تسبب تقدمها في نزوح أكثر من 3 ملايين شخص وفقا لإحصاءات الأمم المتحدة.
وقالت مسودة الموازنة إن سد الفجوة التمويلية سيكون عن طريق الاستدانة من مؤسسات دولية بينها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي فضلا عن إصدارين من السندات المحلية والدولية. وبدأ العراق هذا الأسبوع بتسويق أول إصداراته من السندات الدولية في 9 سنوات ويأمل في أن تجمع 6 مليارات دولار لكن هذا قد يأتي على حساب أسعار فائدة مرتفعة مما قد يفاقم المشكلات المالية في الأجل الطويل. ويستعد العراق هذه الأيام للعودة إلى أسواق السندات الدولية، بعد أن حصل على أول تصنيفين ائتمانيين من الوكالات الدولية، لكن محللين يقولون إنه سيدفع فوائد باهظة، بسبب حالة الارتباك وعدم الاستقرار التي تسود البلاد. ويبدو الطريق ممهدا أمام عودة العراق إلى سوق السندات الدولية بعد غياب استمر 9 سنوات، لكنها ستكون بأسعار فائدة مرتفعة وقد تؤدي إلى تدهور مشاكله المالية في المدى الطويل. ونظمت بغداد عرضا ترويجيا للمستثمرين الأسبوع الماضي لسلسلة من إصدارات السندات السيادية الدولارية التي تأمل من خلالها أن تتمكن من جمع ما يصل إلى 6 مليارات دولار. ومنحت مؤسسة ستاندرد أند بورز العراق في الشهر الحالي تصنيف (بي سالب) أي ما يقل 6 درجات عن التصنيف الاستثماري. وقالت إن المخاطر المتعلقة بالأمن والمؤسسات في العراق من بين الأعلى بين كل الدول التي تتولى المؤسسة تصنيفها، لكن التصنيف جاء مساويا لمصر ويتقدم على اليونان بسبب ضمانات الاحتياطات النفطية الكبيرة. وقفز العائد على السندات الدولارية العراقية التي تستحق في 2028 إلى أعلى مستوياته على الإطلاق ليصل إلى 10.80 بالمائة الأسبوع الماضي من 8.3 بالمئة في نهاية 2014 لأسباب منها توقعات بزيادة المعروض. في الأسواق.








