محليات

كائنات ازبيِّن في رواية (للمفتاح وجوهٌ عدَّة)                                                      

نبيل جميل

يدهشنا الكاتب (مهدي علي ازبيِّن) بروايته (للمفتاح وجوهٌ عدَّة) الصادرة عن دار نينوى ـ دمشق 2021. بنغم الحرف وتماسكه، فهو يمتلك خزيناً معرفياً باللغة، مكَّنهُ من انجاز أعمال سردية، امتازت بعمقها الثقافي والفلسفي والنفسي والتاريخي. يستنطق المفردات وينحتها بمهارة ليمنحها صوتاً وصورة تليق بالحدث؛ تكثيف واختصار وجمل سردية ذات نفس شعري، تجعل القارئ يستدل على اسمه منذ الأسطر الأولى؛ وهذا مؤشر جيد على نجاح الأديب في ايجاد اسلوب خاص يتميّز به. مبهر حد التفاعل الضمني مع القارئ الذي ربما يتساءل: كيف لم أقرأ لهذا الكاتب من قبل؟

    في الصفحة الأولى المعنونة (تدارج) يأخذنا (ازبيِّن) معه في رحلة البحث عن سر الحكاية، وبالأخص ما يتعلق بالشعور النفسي للشخصيات ومدى تفاعلها مع الحدث الرئيس في الرواية (ضابط في الجيش في فترة الحرب مع إيران “1980 ـ 1988”) يجازف بالهروب خارج العراق بأوراق ثبوتية مزورة لغرض علاج ابنه الوحيد من مرض في ركبته اليمنى. يصل بعد مغامرة الى النمسا يتم علاج الابن ثم الاستقرار.

بعد تغيير النظام عام (2003) يعود الأب ليعمل في إحدى المؤسسات الأمنية المهمة، ويُمنح رتبة عسكرية (عقيد) أعلى من تلك التي كان يحملها في السابق (نقيب)، حسب رأيه جاء ليقدم خبرته في خدمة الوطن، لكنه يتعرض الى محاولة اغتيال ويصاب في رأسه، ينقل على إثرها الى مستشفى “الكندي” في ردهة الجملة العصبية ويبقى ميتاً سريرياً إلى نهاية الرواية.. أما الابن فيستقر في “فيينا” يكمل تعليمه، يجد وظيفة جيدة وامرأة تعشقه بجنون، لكنه يضطر للسفر الى العراق ما ان يسمع بخبر اصابة أبيه: (تعرض والدك لحادث موسف، وهو بحال حرج) ص7. لم يبق الابن سوى ثلاثة أيام ويعود الى “فيينا”.

   في فصل (أقفال ومفاتيح) نقرأ: (أحطّ في مطار بغداد وسط أجواء باهتة، واجراءات معقدة، مجاميع أمنية بسحنات متنافرة تبالغ في التفتيش بمساعدة الكلاب، همرات الأمريكان تتوزع الأنحاء المغبرة، أفرادهم يخاتلون بأسلحتهم المشرعة، وبزاتهم العسكرية) ص7. صورة مختصرة لبغداد بعد التغيير. بعدها تتوالى الفصول (المفاتيح) على شكل سلسلة في سياق متقن ومبنى حكائي رصين، ينسج رحلة التحدي لاستكشاف عالم مغلق للأب منذ اللحظة الأولى في التفكير بالهروب.

    من خلال تفاعل الشخصيات ومدى حكم شعورها بالتوجس من السلطة، نلاحظ انها تتقاسم الأدوار من تلقاء نفسها، وكأنّ هناك اتفاقاً مسبقاً تم التخطيط له، هذه السلاسة بالسرد وخاصة الحوار، مَنَحتْ القارئ شعوراً بالتعاطف، فوجد نفسه يدخل في حياة الشخصيات حتى وان كانت ورقية من الخيال، ينشغل بهم ويتحرك معهم، يتألم، يتحسر، وأحياناً يجيب عن سؤال وجّه لأحدهم، الرغبة في التفكير تمّ تحريكها وبإجبار من قبل المؤلف، لأنهُ استطاع أن يثير العاطفة والاهتمام لدى القارئ، من خلال بث الروح في شخصياته وتعميق الحميمية فيها، ما أثار الحياة النفسية للقارئ، الذي وجد نفسه مقاداً الى الانخراط أكثر ضمن وتيرة الأحداث، يحلّل ويدقق ويتابع تطور الحبكة، وهذا يُعد اعترافاً ضمنياً من القارئ بإبداع المؤلف.

هنا نتساءل عن تطور تجربة الكاتب وكيف استطاع أن يمنح الثقة الى كائناته الورقية كي تتماسك مع القارئ المجهول، انها عملية ديناميكية داعمة وبنشاط للفعل وردّة الفعل بين الكاتب وشخصياته وقارئه، هذه هي الطاقة الكبرى للنجاح، في تشكيل شخصية خيالية وفي الوقت نفسه ضمن بعد واقعي قابل للتصديق، من هذا البعد نجد القارئ وبدوافع عميقة يسعى للوصول الى النهاية وبسرعة، كأنه في مهمة وعليه انجازها، فيبحث له عن دور يساهم به للمساعدة في انقاذ الطفل الوحيد لرجل موجوع بمولوده الأول والخوف من تفاقم المرض وتحوله الى عاهة مستديمة (أتفاجأ بتفاقم مرضه، العظم يبرز مندفعاً بالأنسجة تحت الركبة، أمسك أعصابي، وأنا أرى افرازات دهنية وأشم رائحة غير محببة تنمّ عن التهابات حادة) ص76.

   لقد وفّق (ازبيِّن) في عمل الشخصيات وجعلها تسكن خيال المتلقي، وذلك برسمها واعطاء أسماء تميّز طبيعة عملها، وكذلك ابداعه في ايجاد صيغة مناسبة في الحوار واستخدام بعض المفردات باللهجة المحلية، انها علامات وظيفتها السماح للمتلقي بالتعرف عليها وتعميق العلاقة معها في تتمة العمل، بالاعتماد على ما يقدّمه الحوار من صلة توليفية للقارئ، الذي يستعين بمرجعياته الثقافية لتأكيد ذاتية الشخصيات وربطها مع ذاتيته، وهذه آلية تعد تفاعلاً منتجاً بين المؤلف، العمل، المتلقي، صحيح انها أشياء مصطنعة لكنها تدفعنا كقرّاء مجدّين الى الانخراط مع الشخصيات وتكوين خواص مشتركة معها. وهذا ما نجده واضحاً في سلسلة المفاتيح، بين المراسلات السرية التي اعتمدها في انجاز عملية هروب الأب مع ولده.

    إن أول مفتاح في طريق الهروب هو مفتاح المطي، عندما صادف الأب في مرأب ساحة سعد وقال: (- شلونك سيدي؟) بقيَ الأب حينها متسمراً بمكانه يفكر مستذكراً هذه النبرة؛ (أسمعها بنبرة أحفظها جيداً لكن هذا الهندام والأبّهة أحرجا استنتاجي. تقفز من لساني اللاهث: – منو؟. أتوقف عند لقب لا يليق بمقام الماثل بوجهي، يسارع لاحتواء الموقف: (- نعم سيدي.. مفتاح المطي. يستدرك بلباقة لم أعهدها فيه: – المطي هناك في العسكرية، هنا مثل ما تشوف..)

مفتاح “المطي” الذي أفردَ لهُ (ازبيّن) فصلاً بذات العنوان في الصفحة “90” شخصية ذات سلوك غير مرغوب فيه، ينزع كرامته من أجل مصلحته في أبسط موقف، يمشي فاتحاً قدميه مثل (شارلي شابلن) كي ينجح في اختبار فحص اللجان الطبية ويمنح صفة عسكري غير مسلح، يؤدي دوراً غير مقتنع به وحسب الحاجة لتنفيذ أمر عسكري وبطاعة عمياء، لقّب بالمطي عندما تم نقله الى وحدة عسكرية جديدة وفي قاعة المنام صاح بأعلى صوته: (منو أخوي؟) وبعد تراشق النظرات عليه من قبل الجنود وهم رقود على أسرّتهم بدأت الأصوات تتعالى (أنا أخوك.. أنا أخوك) ثم فاجأهم وبكل ثقة متسائلاً: (أنا مطي، انتم هم مطاية مثلي) ص100.

كان مفتاح المطي يملك حافلة لنقل الركاب بين البصرة وبغداد ولديه علاقات عديدة مع أشخاص من العامة، بعضهم لديه مكانة في السمسرة لدى بعض الدوائر الحكومية وغيرها، ومنهم حميده أم اللبن؛ مرأب النهضة في بغداد وهذه لها علاقات كثيرة مع مفارز المرور والشرطة المحلية ومزوري الأوراق الثبوتية، سليمة أم القيمر؛ مرأب ساحة سعد في البصرة، بدرية أم السمك؛ مرأب العمارة؛ التي تتوزع علاقاتها مع المهربين عبر الأهوار.. وغيرها من شخصيات أسهمت بتقدم زمن الرحلة الذي أصبح شاهداً على دعم زمن حاضر في ذهن الكاتب، الذي تجاوز بالسفر عبر الزمن، لينقل للقارئ بكشفه الجمالي عمل سردي يوثق انعكاس التاريخ على واقع عاشه العراق قبل عام التغيير (2003) وبعده.     

    بتتبع سير الأحداث تبرز لدينا شخصية هي بالنقيض من الشخصية المزدوجة عديدة الأوجه “مفتاح المطي”. انه (معز) من صحيفة البلاد، الذي يلتقي بالابن في ردهة المستشفى. (- أنا مسرور لأنني التقيت بك، أتطلّع لتدوين الرحلة في رواية) ص50.

هذه الشخصية المحورية هي المعادل الموضوعي المهم، لأنها تحمل مؤشرات سردية واضحة والتي تتكشف لاحقاً، كونها شخصية مرسومة بدقة، صحفي وأديب، يوثق كل ما يراه، لديه قابلية على التحليل، يحمل في جعبته العشرات من القصص المأساوية اليومية لعامة الناس، يصوّر المشاهد التي يصادفها في طريقه، تخنقه العبرات لمناظر المعوزين، يعيش في بؤرة الأحداث، يساعد الأصدقاء، يستلهم من الواقع مقالات وحوارات تشبع مفكرته الصحفية لنقل معاناة الناس. اليوم جاء ليخبر الابن انه حضر مرات للوقوف على حالة أبيه، وذلك لإنهاء مشروع الرواية التي نشرَ منها أربعة أجزاء في الصحيفة وبقي أربعة اجزاء محفوظة في الحاسوب، وقد وعده والده بسردها صوتياً في جهاز تسجيل صغير. (بقي جزء أخير أسماه أبوك “مفتاح الغابة”) ص52. (- هل تروي لي “ليل الغابة” تتذكر دقائقها وأنت طفل حينها؟ أردّ عليه بنظرة استنكار، ينفلت كفّه؛ يبادرني بمصافحة حميمة كأنه عثر على كنز مفقود: – الجهاز بحوزتك.) ص52.

نستكشف من هذا الحوار ان (معز) يتحدث عن كتابة رواية تمثل مغامرة رحلة الأب عبر محطات ترمز الى أقصى درجات القسوة، ممكن أن يصادفها انسان في حياته، انه الدافع الحقيقي لـ (معز) كي يعكس التاريخ على حياة رجل شجاع ظل يقاوم ولم ينكسر الى أن وجد حلاً لعلاج ابنه، وهو الهرب الى خارج العراق. لكنّ المصادفة تلعب دورها (- ضاعت الأجزاء الأربعة الأخرى، أتلف فيروس (حصان طروادة) كل الملفات المحفوظة في ذاكرة الحاسوب.

–        كيف تنجز الرواية وجزء كبير مفقود منها؟

يغمرني بنظرة مبهمة، يحملها رسالة استفهام:

–        كيف أسطّر الخطاب وصاحبه نسي الكلام وهو على حافة الحياة، لن أتمكن من إعادة كتابتها من الذاكرة، سأنشر محتوى التسجيل الأخير على حلقتين، أنتظر معجزة؛ إن نطق فهذا أمل الجميع لأنه مفتاحي لكشف مفاتيح الرواية، وإذا بقيَ صامتاً؛ سأتركها فراغاً في المتون، يملؤه المتلقي على وفق رؤيته وذائقته، فهي كتلة لغوية غطت زمن الما بين: جحيم العراق وجنة النمسا، ماذا سيكون مستواها؟ بالتأكيد بين ـ بين أو أقرب الى الجحيم، قد يستحسن بعض المتلقين هذا الفراغ، يعدّونه تجريباً في تقنيات السرد) ص58.

هذا المقطع هو المفتاح الأهم في ربط وتكوين الحكاية، والفضل يعود لشخصية (معز) الذي سيندمج مع الراوي (الأب) وينهض بالشخصيتين الرئيسيتين (الأب والابن) ليتمم نشر الرواية، وهذا ما خطط له (ازبيّن) لينسج رائعته بعالم روائي شيّق، يتداخل فيه المكان والزمان والضمائر، لتتشكل لدينا متاهة من الجمال السردي، تجعل القارئ يبذل جهداً في متابعة الأحداث، ويضن بأنه سيطر على مجريات الحبكة، لكنه يتفاجأ بالفصل الأخير الذي يوضّح بأن (سيّد المفاتيح) الذي لم يكن متوقعاً هو أول المفاتيح!

     بعد هبوط طائرة الابن في النمسا احتضنتهُ زوجه (- ثلاثة أيام أحرقت ثلاثة عقود من عمرك) ص161. في سيارتها يرنّ هاتفهُ برسالة من رقم غريب (ما أروع الاستقبال.. هنيئاً لك بهذه المشاعر) يتساءل مع نفسه (- من يكون؟ وكيف توصل الى رقمي؟ تبكمهُ رسالة أخرى يعلن عن فحواها: [أرجو لك حياة سعيدة مع أحبائك] [تمنيت أن تقبل هديتي، لم أتوقع رفضك لها]. (ينقطع الإرسال، يهرب بنظرات الفزع نحو زرقة العينين، يفزّ على رنين رسائل متوالية، يجهر بها: لم تعرفني! أنا من سرّع في إعادة أبيك الى الوظيفة. سعيت لتعيينه في دائرة لا مشاكل فيها؛ وهو اختار موقعه. حاولت نقله مراراً، لكنه أصرّ على ملاحقة المتجاوزين. أنا المشرف على إعادة (منتسبي) الأجهزة الأمنية. أنا المنسق العام بين العراق وقوات التحالف. أنا من سهّل دخولك ومغادرتك العراق. أنا من التقى بك عند أبيك أمس. أنا من ابتهج برؤيتك كثيراً. أنا.. اللواء مفتاح) ص163.  

     بهذه الخاتمة أستطيع القول إن هذه الرواية تمثل واقعنا الحاضر الآني، وتحديداً عن بعض مستنمي المناصب السيادية بالدولة. انها صرخة وليست رواية، أراد من خلالها الروائي أن يبين لنا وبصورة موجزة، مصير من يريد أن يخدم الوطن بجد. وهدف من يختار التركيز على مصالحه الشخصية، وذلك بالتركيز وبذكاء على الدوافع العميقة للشخصية وبعدها الدلالي في العمل. 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان