الحقيقة- متابعة- علاء الماجد
كل شيء ينذر بأن معركة الموصل ستكون المعركة الحاسمة، في ملف العراق، وأيضا في ملفات الصراعات بالمنطقة والحرب ضدّ تنظيم داعش، ومن هنا تستمد المعركة، التي دخلت ليلة الأحد/ الاثنين مرحلتها العسكرية، أهميتها وصعوبتها وتعقيداتها، فيما يتطلع الخبراء بقلق إلى مرحلة ما بعد الحسم العسكري.
تقع الموصل، التي يعبرها نهر دجلة على بعد 350 كلم شمال بغداد، وهي كبرى مدن شمال العراق وعاصمة محافظة نينوى الغنية بالنفط. وقد اشتهرت المدينة التي شكلت محطة تجارية بين تركيا وسوريا وسائر مناطق العراق بأنسجتها القطنية الرقيقة التي تعرف باسم الموسلين. وما تعيشه الموصل اليوم هو جزء من تاريخ حافل بالاضطرابات، ففي العام 641 سيطر العرب على الموصل الواقعة مقابل الآثار التاريخية لمدينة نينوى في ما سمي آنذاك بإقليم أقور. وأصبحت المدينة عاصمة الدولة السلجوقية في أواخر القرن الحادي عشر. وشهدت أوج ازدهارها في القرن التالي. ثم استولى عليها المغول، وبعد ذلك صارت تحت سيطرة الفرس ثم العثمانيين. وفي سنة 1918 ضمت بريطانيا العظمى هذه المنطقة الغنية بالنفط إلى العراق (فترة الانتداب البريطاني) فيما أرادت فرنسا ضمها إلى سوريا التابعة لها، (الانتداب الفرنسي). ورغم احتجاج تركيا اعترفت عصبة الأمم بهذا الضمّ في العام 1925. واشتهرت الموصل بأماكنها الأثرية وبحدائقها، قبل أن تصبح مسرحا لأعمال العنف اليومية بعد الاجتياح الأميركي في 2003. وقد سقطت في 10حزيران 2014، وهي آخر معاقل حزب البعث، قبل أن يتخذها تنظيم القاعدة مركزا، بأيدي داعش، بلا مقاومة تذكر؛ ومنها أعلن (داعش) في 29 يونيو 2014 قيام “دولة الخلافة”. وتشتمل المدينة ذات الأكثرية المسلمة السنية في منطقة غالبيتها من الأكراد، على عدد كبير من الأقليات من بينها الأكراد والتركمان والشيعة والمسيحيون وغيرهم. وبعد سيطرة (داعش) على الموصل نزح منها عشرات الآلاف من السكان، ولا سيما المسيحيين الذين وجه إليهم الارهابيون إنذارا في تموز 2014 بين خيار اعتناق الإسلام أو دفع الجزية أو مغادرة المدينة وإلا الإعدام. ويقدر حاليا عدد سكان المدينة بحوالي 1,5 مليون نسمة غالبيتهم من العرب السنة. وفي صيف 2016 شن التحالف الدولي غارات كثيرة على المدينة التي سبق أن تضررت كثيرا أثناء الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) وفي قصف الطيران الأميركي الكثيف قبل أن تسيطر عليها القوات الأميركية الكردية في ابريل 2003؛ ليعود الطيران الأميركي مدعوما بتشكيلات مسلحة متناقضة في تشرين اول2016 ليشن معركته الحاسمة لإسقاط “عاصمة الخلافة”.
لماذا المعركة صعبة؟
ذكرت مجلة “ديفينس ون” الأميركية أن معركة استرداد الموصل من تنظيم داعش ستكون أكبر عملية عسكرية تخوضها الولايات المتحدة في العراق منذ انتهاء الحرب الأخيرة في ذلك البلد. ويقول قادة أميركيون إن الموصل، إلى جانب مدينة الرقة السورية، هما المعقلان الرئيسيان لتنظيم داعش، وهزيمة التنظيم في الموصل سيكون لها تأثير كبير على هزيمته في الرقة السورية. وتعتبر الموصل رمز “خلافة” تنظيم داعش، ففيها ظهر أبوبكر البغدادي، لأول مرة، علنا. واستعادة السيطرة على المدينة، تعني زعزعة استقرار التنظيم وقطع تواصله مع مواقعه في سوريا. وقد أوضحت صحيفة “لاكروا” الفرنسية أن بعد الموصل ستكون الرقة، معقل تنظيم داعش في سوريا، المحطة المقبلة.
ومع بدء المعركة، يصعب توقع المدة التي سيحتاج إليها الجيش والشرطة لدخول المدينة وطرد (داعش) منها، والذين سيندسون بين السكان على الأرجح. وأكد التحالف الدولي أن العملية قد تستغرق أسابيع “وربما أكثر”. وقال القائد الجديد للتحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد داعش الارهابي اللفتنانت جنرال ستيفن تاونسند إن العملية لاستعادة السيطرة على ثاني مدن العراق “ستستغرق أسابيع ومن الممكن أكثر من ذلك”، من أجل هزيمة تنظيم داعش، في معركة قال عنها وزير الدفاع الأميركي “إنها تشكل لحظة حاسمة في القضاء على تنظيم داعش. ويحضر في معركة الموصل عدد هائل من الرايات والقوات، من الجيش العراقي إلى جهاز مكافحة الإرهاب القوي والشرطة الاتحادية والمحلية والحشد الشعبي، والمقاتلين الأكراد وتركيا والولايات المتحدة ودول التحالف. ويتمركز جنود أتراك أيضا في قاعدة عسكرية قريبة من الموصل وفي كردستان. ويشكل وجودهم عاملا أساسيا يذكره الخبراء لتفسير التأخر في إطلاق الهجوم. وتطالب بغداد بانسحاب الجنود الأتراك، بينما تصر تركيا على المشاركة في الهجوم بدرجات متفاوتة، بهدف الحد من قوة الأكراد واستعادة بعض التأثير الذي كانت تتمتع به في منطقة الموصل الغنية. وتنظر تركيا إلى هذه الأراضي على أنها منطقة نفوذ لها. وحسب تصريحات نسبتها وكالة أنباء الأناضول، لقائد حرس محافظة نينوى (شمالي العراق) ومحافظها السابق، أثيل النجيفي، يشارك حوالي ألفي مقاتل سني ممن دربتهم القوات التركية في معركة استعادة الموصل من جبهة بعشيقة. وتقدم المقاتلون الأكراد إلى ما وراء حدود منطقة كردستان التي تتمتع بحكم ذاتي، وتشعر أنقرة بالقلق أيضا من أن تتقدم قوات الحشد الشعبي، باتجاه الموصل ذات الغالبية السنية. وسيشكل موضوع المدنيين عاملا صعبا بالنسبة إلى القوات العراقية وقوات التحالف. فربما لا يزال هناك حوالي 700 ألف شخص في الموصل، مما يشكل أكبر وجود للسكان المدنيين خلال معركة الاستعادة عندما قام تنظيم داعش بتفخيخ المدينة. وقد ذكر موقع نقاش، المعني برصد الداخل العراقي، أن داعش أعد خطة للدفاع عن آخر حصونه في العراق، وأطلق عليها اسم “الخندق” وهي تسمية مستوحاة من معركة تاريخية تعود إلى القرن السابع الميلادي؛ وتم في الطرف الجنوبي للمدينة حيث أحياء المأمون وتل الرمان والمنصور المفتوحة باتجاه ناحية القيارة التي استعادها الجيش العراقي الشهر الماضي، أنجز عمال ينتمون إلى “داعش” بناء جدار يصل ارتفاعه إلى 3 أمتار. وتشمل الخطة تعزيز الجدار بخندق إلى جانب شبكة أنفاق داخل الأحياء، يبلغ عرضها مترين ومثلهما في عمق الأرض هي أبعاد الخندق الذي شقه داعش في الطرف الشرقي والشمالي للمدينة بواسطة آليات وزارة الموارد المائية والبلدية وغيرها بعدما أصبحت كلها تحت تصرف “الخليفة”. وتؤكد الخطة التي وضعها داعش في الموصل أن عناصر التنظيم الارهابي سيقاتلون ولكن أقصى ما يمكن أن تحققه هذه الخطة هو تأخير نهايته إلى أسابيع أو أشهر قليلة، أما الاعين فكلها متوجهة نحو الضواحي الجنوبية للمدينة، إذ من المتوقع أن يكون فرار عناصر داعش منها إلى سوريا كما حدث في الفلوجة وتكريت. ويمكن أن تتسبب معركة استعادة السيطرة على مدينة الموصل من قبضة (داعش)، بكارثة إنسانية غير مسبوقة وفق الأمم المتحدة، إذا اضطر مئات الآلاف من المدنيين لمغادرة منازلهم والفرار مع ابتداء فصل الشتاء. وقال ستيفن أوبراين، مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية والإغاثة في حالات الطوارئ، “أشعر بقلق بالغ بشأن سلامة نحو 1.5 مليون شخص يعيشون في الموصل قد يتأثرون من جراء العمليات العسكرية لاستعادة المدينة من داعش”.
ما بعد المعركة
يبقى ما بعد المعركة التحدي الأصعب، فالمحافظة تضم خليطا من السكان السنّة والشيعة والمسيحيين والشبك والإيزيديين والأكراد ولن تكون من السهل إدارتها تحت قيادة واحدة، وما أقدم عليه تنظيم داعش من ممارسات وحشية خلال سنتين لن تضمد جراحها سريعا؛ و يقلق سكان الموصل وأبناءها النازحين. وأوضح الجنرال الأميركي المتقاعد جاك كين، أنه “بمجرد السيطرة على الموصل، ستزداد وطأة الانقسامات السياسية في العراق، وسيعيق هذا الأمر تقدم الحكومة العراقية التي تعاني من مشاكل داخلية”. وسبق أن قال ريان كروكر، سفير الولايات المتحدة السابق في العراق وأفغانستان قبيل سيطرة القوات العراقية على الفلوجة إن “الولايات المتحدة تركز على هزيمةداعش، بأي وسيلة كانت، ومع من يريد الانضمام إلى المعركة. لقد استخدمنا تكتيكات مماثلة ضد السوفييت في أفغانستان – الوسيلة لا تهم، العبرة فقط بالنهاية (النتيجة)”. وتابع، في قراءته لمعركة الموصل نشرت في موقع ذي سيفر بريف “سوف يتم هزم داعش ، لكن قد تكون العواقب المحتملة أكثر سوءا، فليست هناك نهايات في الشرق الأوسط”. ووفق جيمس جيفري، السفير الأميركي السابق في تركيا، “الموصل أكبر من أن تكون نسخة من معركة استعادة السيطرة على الفلوجة. وبصرف النظر عن المعركة نفسها واليوم التالي للصراعات، هناك أربعة عناصر استراتيجية متشابكة في اللعبة ومصيرها معلّق على ما سوف يحدث في الموصل: استعادة مصداقية الجيش الأميركي وتدمير تنظيم داعش نهائيا وإنقاذ العراق”.
كيف ستتبلور معركة الموصل؟
كيف تتم استعادة الموصل من (داعش)؟، في الإجابة على هذا التساؤل نقلت وكالة فرانس براس عن البعض من المحللين قولهم إن المعارك ستتحول إلى مواجهات عن قرب من شارع إلى شارع في المدينة التي يقدر التحالف الدولي عدد مقاتلي( تنظيم داعش ) فيها بما بين ثلاثة آلاف و4500؛ ويبلغ عدد سكانها 1,5 مليون نسمة. أما مايكل نايتس، الباحث في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، فتحدث عن خطة متعددة المراحل، انطلقت بعزل المدينة، حيث تم تجديد قاعدة القيارة الجوية، (60 كلم) جنوب الموصل، لتمكين هبوط طائرات الشحن، الأمر الذي سمح بنقل الذخيرة والوقود والمؤن جوا مباشرة إلى الخطوط الأمامية بدلا من نقلها بالشاحنات من المستودعات العسكرية العراقية بالقرب من بغداد والتي تبعد 298 كلم جنوبا. وقد تم نقل حوالي 560 مستشارا عسكريا أميركيا إلى القيارة لتقديم المشورة والمساعدة في الهجوم. كما تم وضع أنظمة مدفعية أميركية وفرنسية بعيدة المدى، إلى جانب مدافع هاوتزر متنقلة قادرة على بلوغ نصف المسافة باتجاه الموصل مع قاذفات صواريخ قادرة على ضرب المدينة نفسها، وذلك في أقل من 20 ثانية وبدقة كبيرة. إلى جانب ذلك، هناك خمس وحدات إضافية من قوات الشرطة القبلية أو شبه العسكرية المستعدة للهجوم أيضا، وتضم حوالي 6000 جندي معظمهم من العرب السنة من منطقة الموصل الأوسع نطاقا. كما أن قوات البيشمركة الكردية وعددا من وحدات الشرطة شبه العسكرية المدعومة من الأكراد والتي تحرسها الأقليات الصغيرة (من المسيحيين والكاكايين) تطوّق الموصل من شمال شرق المدينة وستطبق الحصار عليها من ذلك الجانب. ويبدو أنه تم إعداد صيغة للسماح لمتطوعي الأمن من جنوب العراق المأهول بالسكان الشيعة بتقديم دعم غير مباشر للمعركة من دون إثارة قلق سكان الموصل بغالبيتهم السنية. وسيتم استخدام هؤلاء المتطوعين المنضوين تحت لواء الحشد الشعبي لتأمين المناطق والطرق الريفية الخاوية جنوب القيارة وغرب الموصل. تشمل المرحلة المقبلة من المعركة تقدما متعدد الجوانب باتّجاه ضواحي الموصل. ومن المرجح أن يأتي المحور الرئيسي للهجوم عن طريق الطريق السريعة التي تربط بغداد بالموصل على الضفة الغربية لنهر دجلة، وتتوقف عند الوصول إلى المشارف الجنوبية لمدينة الموصل. ومن الممكن أن يندفع طابور آخر غرب الموصل وإلى الصحراء على طول طرق ومسارات خطوط الأنابيب لإغلاق المدينة من ذلك الاتجاه ومنع تنظيم داعش من استقدام التعزيزات أو الفرار إلى سوريا. وقد تزحف مجموعة أخيرة من القوات إلى الموصل على الضفة الشرقية لنهر دجلة، وذلك بهدف الوصول إلى الجانب الشرقي من المدينة. ويضيف الباحث الأميركي “سنشهد تدفق قوات الأمن العراقية ووحدات الحشد الشعبي عبر الصحراء في مواكب كبيرة من المركبات، وسيتخلّل ذلك أيام من الضربات الجوية للقضاء على مقاتلي التنظيم المتعنتين. وبحلول موعد الانتخابات الأميركية في 8 نوفمبر، من المرجح أن تكون أطراف الموصل قد رُبطت في نقاط متعددة”.








