ثقافية

المطلبي وحفريات اللاوعي المهمل

عدنان الفضلي

يواصل الناقد الدكتور مالك المطلبي تقديم مشاريعه النقدية من خلال تنظيرات جديدة، أو قراءات مختلفة في موضوعة الوعي واللاوعي، فضلًا عن حضوره الدائم في المشهد النقدي الأدبي والسردي، إضافةً إلى سردياته التي تعتمد على الأمكنة كثيمةٍ مهمة.

مؤخرًا، وعن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، صدر كتاب جديد للناقد والسارد الدكتور مالك المطلبي بعنوان (حفريات في اللاوعي المهمل)، والذي تضمّن تقديمين ومدخلًا وأكثر من عشرة مقالات سردية وبحثية تنتمي إلى الحفريات في الموروث الشعبي العراقي.

في التقديم الخاص بالطبعة الأولى من الكتاب، يقول المطلبي ما نصّه:

“هذا الكتاب محاولة للقيام بحفريات في الذاكرة لاستعادة “آثار” ترسّبت في قاعها. هذه الآثار هي الوسيط الوحيد لاستعادة الماضي. إنّك تجلس على عتبة الحاضر، وتشرف منه على هنالك: حيث المسالك المضبّبة، ثم تبدأ بانتزاعها من مكانها”.

في الكتاب يورد المطلبي، أو يضعنا قبالة، رسائل متبادلة بين الأديب الألماني الشهير (غونتر غراس) والأديب الياباني (كينزابرو أوي)، وهي رسائل يطلع فيها أحدهما على معاناته مع التأقلم مع واقع ما بعد الحرب العالمية الثانية، بلغة أدبية وفلسفية عميقة. ومما ورد في الرسالة الخاصة بـ(غراس):

“كانت صياغة الأمم المنتصرة هي: “الاستسلام دون قيد أو شرط”، وكانت تخص المجال العسكري أولًا. لكن وبما أنها لم تكن فقط حربًا تُقاد منذ البداية بشكل إجرامي وتشرف على نهايتها، فقد كانت أيضًا حربًا تختتم بإبادة اليهود والغجر إبادةً منظمة. إن عددًا كبيرًا من مخيمات الاعتقال قد كُشف منذ ذلك الوقت مدى حجم نظام الرعب، ولا أزال حتى اليوم مذعورًا، ولا يمكن لشيء أن يخفف من إحساسي بالخجل والعار، إذ كان عمري وقتها سبعة عشر عامًا”.

أما رسالة (كينزابرو أوي) فقد جاء فيها:

“عزيزي غونتر غراس، إذا كان لا بد من اصطفاء موضوع يوجز وضع بلادي السياسي حاليًا، فإن السؤال هو أن نعرف إذا كان البرلمان الياباني – ولتمييز الذكرى الخمسين لنهاية الحرب – سوف يصوّت على “قرار سلمي” يعني الإقرار بالذنب والاعتذار جهارًا فيما يخص الحرب العالمية الثانية، والالتزام أمام العالم أجمع بالعدول النهائي عن الحرب”.

وفي الكتاب نجد رسالة افتراضية كتبها الدكتور مالك المطلبي العام 2003 ووجّهها إلى (غراس) و(أوي). ورغم أنه يعرف أن رسالته لن تصل إليهما بسبب عدم توفر خدمة الإنترنت في العراق، فإنه يرى ضرورة أن يبلغهما بأن ما يكتبان عنه ليس ما حدث في ألمانيا واليابان فقط، بل إن ما يحدث للعراق يشبه ما تطرقا له. فهو يقول في رسالته ما نصّه:

“لم تكونا أيها المبجّلان، تكتبان عن ألمانيا واليابان، بل عن العراق. إن بإمكاني أن أستعير ما أشاء مما كتبتما عن الوضع الألماني والياباني، في السياق الذي عشتماه، وأشير به إلى الحالة العراقية الآن. أذهب إلى قول السيد غراس: “في ألمانيا الآن نقاش مسكين وساذج: الاحتفال بالثامن من أيار بصفته تاريخ انتهاء الحرب أم بصفته يوم التحرير؟”. بإمكاننا أن نحل لفظة (العراقي) محل لفظة (الألماني)، لتظل العبارة هي هي: في العراق الآن نقاش مسكين وساذج: الاحتفال بالتاسع من نيسان بصفته تاريخ انتهاء الحرب، أم بصفته يوم الحرب، أم بصفته يوم التحرير؟”.

الكتاب الذي جاء بأكثر من 220 صفحة من القطع المتوسط، ضمّ بداخله سردًا زمكانيًا يغوص في عمق المجتمع العراقي، ويستدعي الموروث الشعبي العراقي ليكون حاضرًا في سردياته أو حفرياته كما يرى هو من حيث التسمية أو المصطلح، حيث يأخذنا برحلة سياحية توعوية، الهدف منها مناقشة بعض الطقوس والتقاليد والعادات والعقائد والسلوكيات السائدة في المجتمع العراقي، وما بين الحكايات والقصص الزمكانية التي يوردها المطلبي كأمثلة قائمة تحتاج التوقف عندها طويلًا.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان