عدنان الفضلي
يعد الاحتجاج واحداً من الخطابات الأدبية التي تترك أثراً عند المتلقي، وخصوصاً المتلقي الذي يعيش في أجواء مضطربة نتيجة الحروب أو الطغيان، فيصير هذا الخطاب مخففاً للآلام التي يعيشها المتلقي أسوة بصاحب الخطاب.
مؤخراً صدر للشاعر والناقد سعدي عبد الكريم كتاباً يتناول هذه الموضوعة والذي جاء تحت عنوان (الاحتجاج في قصيدة النثر العراقية المعاصرة).
الكتاب الذي كان من القطع الكبير وبأكثر من (270) صفحة صدر عن دار الورشة الثقافية للطباعة والنشر والتوزيع، متضمناً قراءات نقدية لعدد من الشعراء العراقيين ومن أجيال مختلفة وبواقع (33) عينة مع مقدمة وفصل نقدي تعريفي.
في مقدمة الكتاب يأخذنا المؤلف في جولة تعريفية بالشعر ونشأته وجمالياته وتطوّره وفضله على العالم، ثم ينزاح بنا الى الشعر العراقي تحديداً معرفاً به وبتميزه عن باقي الشعر العربي حيث يقول في تلك المقدمة ما نصه “لقد تميّز العراقيون بتداول الشعر مبكراً، باعتباره النافذة المطلّة على فعالياتهم الأدبية، لاكتشاف الأجناس الحديثة فيه بجميع أشكالها ومناهلها، منذ نشأة التدوين في بلاد ما بين النهرين في الألف الثالث قبل الميلاد، وتحديداً في حضارة سومر حيث جاءت الملاحم الشعرية لتؤكد هذه الفاردة بالحفر في واحة الشعر، لتعتني وتغني هذا الجنس الأدبي منذ ولادته النجيبة الأولى”.
في فصل التتبّعات كانت هناك أكثر من مقالة أدبية اشتغل عليها المؤلف في محاولة للتمهيد المعرفي لما يريد قوله في مرافعاته النقدية للعينات الشعرية التي اختارها لتكون دالاً ومدلولاً للخوض النقدي الذي يريد ممارسته، في مقاله الأول (غائية الشعر) يقول المؤلف “يستمد الشعر مديات تأثيره من النواحي الشعورية المؤدية الى صقل فعله المؤثر، وإدامة فعالية تغذية مناطق التلقي بمراسيم الوعي، وتسليحها بمظاهر (الاحتجاج) وموارد الرفض، ووفق أحقية تلك المتبنيات وأسبقيتها في تحقيق ملاحق التغيير، وإعلان الثورة على أزمات الوعي الخانقة التي تمرّ بها المجتمعات”.
في مقال آخر جاء بعنوان (الشعر .. الباثّ الجمالي والاحتجاجي) يستعرض لنا المؤلف كثيراً من جماليات الشعر حين يؤكد على الصناعة والفرادة والدهشة، متخذا من جمالية الاحتجاج باباً مفتوحاً لبث شحنات إنسانية كبيرة تقوم بطرد الأورام الخبيثة عن جسد المجتمعات حيث يقول “تبرز مهمة الشعر في تصوير الفعل المؤثر، وتظهر الحاجة إليه باعتباره الأهمية الإحتجاجية الكبرى في تعويض خساراتنا، وانكساراتنا الدائمة الناتجة عن ابتعادنا عن ملاحقة موارد الابتكار والتجديد، لتحويلها عبر الشعر الى محركات تنفيذية ذات ديمومة عالية تفيد مناطق الاشتغال في تفعيل خاصية أعمال العقل، للإفصاح عن ملهماته الدفينة، وإبراز معالم خلقه الجديدة”.
يستمر الناقد سعدي عبد الكريم في رصّ مرافعاته الشعرية على مائدة التلقي وهذه المرّة عبر مقالة جاءت بعنوان (الشعر .. المؤسسة المعرفية) وهنا يسحبنا المؤلف الى منطقة أخرى يشتغل عليها الشعر وهي الحضور الجمالي الفاعل المعالج للنكوص في المجتمعات من خلال تواجده في الملاحم الأسطورية الخالدة وفي الطقوس الدينية والمراسم الاحتفالية والعروض المسرحية حيث يؤكد في هذا المقال على النوع النبيل من أنواع الأدب إذ يقول “لقد أسس الشعر لنفسه ملاذاً آمناً في عقول الشعراء، والبشر الذين يهتمون به، باعتباره مائدة فضلى لتغذية المناحي الجمالية في الروح، ووفق ذلك المتسع من خواص الحكمة والفخر والغزل والمديح والهجاء، ويقفلها بمنهج التعليم والنبوغ في توصيل الأفكار بأرقى موازين التواصل وأدق طرق الاتصال”.
ويزيدنا الناقد معرفة ويضعنا أمام إضاءة جديدة لها علاقة بقصيدة النثر وكيفية استثمارها وفق مناطق الاشتغال اللغوي عبر المفردة والجملة الشعرية، كما يوضح لنا الحصيلة المستخرجة من الإتقان الشعري في هذا النوع الشعري وخصوصاً في قصيدة النثر العراقية حيث يقول في مقال بعنوان (قصيدة النثر ومعطيات تشكلها) ما نصّه “عملية تطوّر قصيدة النثر العراقية المعاصرة جاءت متناغمة مع تسيّد تفردها على مستوى الحاضن اللغوي، وتأثيث الصورة الشعرية وضبط الإيقاع الداخلي، واستثمار الدلالات المشفّرة والفاعل الباثّ وجرأتها في تبني فعل (الاحتجاج) بجلّ دوافعه التحريضية المعارضة”.
في مقال آخر له مساس بمحتوى الكتاب وكيفية اعتبار الشعراء كنخبة أو صفوة مجتمعية للاحتجاج الطليعي للمجتمعات يضعنا المؤلف أو الناقد قبالة إجراءات للاحتجاج، بل هو في هذا المقال يخبرنا بكيفية توظيف الاحتجاج في النص، فالمقال الذي جاء بعنوان (الاحتجاج في قصيدة النثر) يقول “نحن نعتبر الشعراء هم الصفوة الاحتجاجية الطليعية التي تمتلك الحجج والقرائن والدلائل على إدانة إجراءات الأنظمة الحاكمة، التي تتصف بالتضييق على حرية الإنسان، وبالممارسات الإجرامية والتعسفية وإشعال الحروب التي يذهب جراها ملايين البشر”.
كما يتضمن الكتاب سياحة أدبية تتعلق بالنقد، حيث أن الكاتب وعبر مقال جاء بعنوان (النقد .. دراسة النص) يؤكد على أن النقد هو من يتبنى البحث والحفر في وظيفة الشاعر، كما يسجل حضور النقد عبر ممارسة طقوسه عبر المشغل التأويلي والتفسيري والتحليلي، وفي هذا المقال نجد ما نصّه “إن حضور العقل النقدي في المركز الناظر والمعاين والفاحص، يعدّ ضرورة من ضرورات عملية انتاج وخلق النص مرة تالية مضافة لخلقه الأول، وهي موطئ غاية في الأهمية، لفهم المدوّن الأدبي وتمحيصه، ثم الاختلاف أو الموافقة عليه”.
وحتى يكون الخوض مكتملاً يرى المؤلف ضرورة التوقف عند الرواد من الذين كتبوا قصائد النثر والاحاطة ببواكير المحاولات الأولى لظهور قصيدة النثر في العراق.
كما يأخذنا الكاتب الى حيث الشعراء الذين كانوا من أوائل الذين رفعوا صوتهم محتجين ومعبرين عن خلجاتهم الإنسانية والفكرية والاحتجاجية، ويذكر منهم رفائل بطي ومراد ميخائيل وحسين مردان والفريد سمعان وسركون بولص وفاضل العزاوي وعبد القادر الجنابي وصلاح فائق وعبد الوهاب البياتي وبلند الحيدري ومظفر النواب وسعدي يوسف ورشدي العامل وجان دمو ويوسف الصائغ .










