بقلم: حيدر أحمد خلف
ليس بالأمر اليسير الكتابة عن قامة أدبية بحجم الكاتب والروائي علي الشوك، بل هي مهمة صعبة. إنه الدارس لعلم الرياضيات، واصفاً هذا العلم بالنزهة، حيث منحه الفرصة والوقت لقراءة الكتب والتعرف على ثقافات العالم وغيرها من المجالات والعوالم المعرفية. وهو عاشق للموسيقى إلى درجة الهوس؛ فهي بيته ومأواه، وأينما رحل، كان يحملها معه ولا يفارقها.
ويذكر الكاتب زهير الجزائري في مقال منشور على موقع [رابطة المرأة العراقية] أن “علي الشوك لا يفضل أن تكون الموسيقى خلفية للأحاديث، بل يريدها موضوع الحديث؛ أن نستمع إليها بانتباه، ثم نتحدث عما سمعناه”.
كما اهتم بدراسة الميثولوجيا والأساطير واللغة، إذن نحن أمام رجل موهوب بالقراءة، وهو القائل: “أنا لم أُولد صاحب موهبة في الكتابة، لكنني وُلدت ولدي استعداد للقراءة. القراءة، وليس الكتابة، كانت موهبتي”.
فالتمعن في عبارته يلمس الانصهار المطلق مع الكتاب ولفعل القراءة، الفعل المقدس الذي أنتج عدداً من أهم الطروحات والنتاجات الأدبية والعلمية. لذلك، التزم الشوك خطاً مغايراً في الكتابة منذ صدور أول كتاب له، وهو الاطروحة الفنتازية، الذي أثار موجة كبيرة من ردود الأفعال.
إن أسبقية القراءة عنده جعلته يتأنى ويؤجل ما كان يعزم على كتابته. فروايته البكر الأوبرا والكلب أبقاها مؤجلة لمدة ست سنوات. إنه يخطط كأي مهندس معماري، إلا أنه يرسم الكلمات رسماً.
وللغة والأسطورة الحظ الأوفر
اشتغل في عالم اللغات والأسطورة لأكثر من ثلاثين عاماً، وهي التي أرشدته ودفعته للبحث عن الأقوام الهندية والسامية وأقوام أخرى، ليصل إلى استنتاج عبر تنقيبه عن الأقوام بأن الزراعة هي العامل الأول والأساس لولادة الحضارات ومهدها، وبمعادلة لغة: الزراعة = الحنطة. كما توصل إلى أصل كلمة “نخلة” وجذرها السومري وهو “خولاميتو”.
الخيبة السياسية وانهيار الحلم
بعد الانقلاب البعثي ـ القومي، اعتُقل وسُجن لمدة سنتين، وعُذب بطريقة وحشية، وقد سبب له جرحاً لم يندمل. وقد ترجم هذا الجرح والألم في عدد من رواياته وكتاباته، كـ رواية السراب الأحمر. هنا جاءت الخيبة السياسية وتلاشى الحلم بدولة العدالة والحرية والثقافة، وعدم القدرة على الوصول إلى الهدف المنشود بفعل تراكمات وتداعيات ثقيلة، وصعوبة التعامل مع الأزمة آنذاك، وفرض شريعة الحزب الواحد والرأي الواحد.
الرواية هاجسه الأكبر
كانت الرواية هاجسه الأكبر طوال حياته، كونها تبحث عن حقائق الإنسان وإشكالاته عبر التجربة الإنسانية في جميع توجهاتها. وكان الشوك يرى الحياة ماثلة أمامه بكل تفاصيلها وينتزع الشخصيات من الحياة والواقع، فهو لا يميل إلى اختلاق الأشياء في النص الروائي، إيماناً منه بقدرة هذا الفن كأحد الوسائط الأدبية الأكثر ثراءً وانفتاحاً في عكس واقع الحياة وترجمة مشاعر الإنسان وتجربته.
إنه يجد في الكتابة علاجاً فعالاً للإكتئاب، فتعامله معها ومع الموسيقى والحب والرياضيات والرواية أشبه بالعيش في مدن فاضلة.
رواية الأوبرا والكلب بين الإعجاب والتعالي عليها
في هذه الرواية، تحضر الثقافة والمعرفة الموسيقية في أعلى تجلياتها، حيث اختار الكاتب أن تكون الشخصية المحورية باحثة موسيقية نمساوية من أصول عربية، وتكشف الرواية عن الصراع بين الهوية الشرقية والمد الغربي وتأثيراته.
بالطبع، لا نقدم في هذا المقال تقييماً نقدياً أو عرضاً صحفياً للرواية، بل غايتنا هي ترجمة معاناة الكاتب فيما يخص ردود الأفعال على عمله، والتي دونها في كتابه الكتابة والحياة. ونذكر منها:
- كتب عنها الشهيد كامل شياع كلمة عذبة في مجلة الوسط جاء فيها: “يستقر لي القصر النسبي للرواية (166 صفحة) تكرار قراءتها لعدة مرات خلال الشهور الماضية. وما كنت سأستسيغ ذلك لولا قدرتها على فرض نفسها عليّ كقارئ، أنشد لعالمها واستساغة حبكتها وتفاصيلها”.
تراوحت الانطباعات، المكتوبة وغير المكتوبة، بين الإعجاب والتعالي عليها. ويبدو أن الكاتب علي الشوك كان متألماً ومجروحاً من نقد الكاتبة والناقدة فاطمة المحسن، والتي وصفها بالنقد الأعمى (راجع ص196 وص197 من كتابه). ويسترسل الشوك قائلاً:
“أنا لا أنسى أن فاطمة كاتبة بارعة جداً في كتاباتها الموضوعية الأخرى، لا سيما في كتابيها الجميلين عن تمثلات الحداثة في الثقافة العراقية. لكن هذا لا يشفع لها استهانتها بعمل روائي أحرق أعصابي في كتابته عن حب وعناية”.
لقد استعرض لنا الشوك ردود الفعل لعدد من المثقفين والنقاد، وذكر تفاصيل الرواية والظروف التي كان يعيشها وكيف ولدت هذه الرواية. ومن البديهي القول إن من حق أي كاتب أن يعشق أي نتاج خاص به ومن باكورة خياله وثقافته.
علي الشوك رافد مهم من روافد الثقافة العراقية والعربية. إنه يأسر القارئ بلغته والكم النوعي من المعرفة الذي يمتلكه، لذلك تأتي الكلمات لاحقاً بعد جولات مختلفة وعميقة في الموضوعات. إنه كمثقف عراقي يمتلك إحساساً عميقاً بالمسؤولية تجاه الثقافة العراقية.
المصدر: الكتابة والحياة، دار المدى، الطبعة الثانية، 2018.









