ثقافية

سِفر التطهّر ونشيد العنقاء

 قراءة في فضاء (أصفى من البياض) للشاعر عبد السادة البصري أياد النصيري

حين يكتب شاعر بصري معجون بماء الرافدين، ومسكون بنقاء الجنوب، فإن الكلمة لديه لا تعود مجرد حبر على ورق، بل تتحول إلى كائن حي يتنفس، ويتألم، وينتصر. في نص (أصفى من البياض) يأخذنا الشاعر عبد السادة البصري في رحلة وجدانية عميقة، ليست لجلد الذات، بل لإعادة صياغة انتصار الروح في زمن التلوث الإنساني.

يبدأ النص بضربة شعرية صادمة وجارحة، فالقلب الذي أُفردت صفحاته للآخرين عاث فيه العابثون والمرضى والحاقدون فسادًا. الشاعر هنا لا يشكو ضعفًا، بل يرسم جدارية لـ«الخيبة الصادقة». إنها مفارقة موجعة: كيف يتحول العطاء الإنساني إلى ثغرة يتسلل منها السواد؟

لكن الإدهاش الحقيقي في النص يكمن في تلك المسافة الفاصلة بين القلب والروح. لقد اتسخت صفحة القلب لأنها واجهت العالم، لكن الروح بقيت في مأمن، تنضح بالبياض كينبوع لا ينضب. الشاعر هنا يفصل بذكاء بين ما نمنحه للناس وما نحتفظ به لله ولأنفسنا.

يتحول الصمت في القصيدة إلى صوت ضاج وخانق. يتكرر لفظ «مذهولًا» أربع مرات متتالية: (منها، منه، منهم، من القلب)، ليخلق إيقاعًا لاهثًا يعكس الصدمة الوجودية. هذا الذهول لا يشل حركة الشاعر، بل يدفعه للحركة: «لا أدري إلى أين؟ لكنني أتجرجر مفتونًا ببياضي».

وهذه «الجرجرة» ليست انكسارًا، بل هي قوة الجذب المغناطيسي للنقاء. الشاعر يسير مدفوعًا بأسئلته الثلاثية الحارقة والمربكة لكل إنسان عانى الخيبة: «إلى أين؟ متى؟ كيف؟». وهي أسئلة لا تبحث عن إجابات جغرافية أو زمنية، بل تبحث عن مأوى نفسي آمن.

في المقطع الأشد ضراوة في النص، ينقلنا الشاعر من مربع الدهشة إلى مربع المواجهة الأسطورية:

«ذبحت كثيرًا
صلبت كثيرًا
شتمت كثيرًا
وفي كل مرة
أنهض كالعنقاء كثيرًا»

هنا يتحول الشاعر من مجرد ضحية للعابثين إلى بطل تراجيدي يمتلك سر الحياة والخلود. التكرار المكثف لكلمة «كثيرًا» يعكس حجم الطعنات، لكنه في المقابل يعكس لا نهائية الانبعاث. إنه يتنازل عن الحلم ويقبل بذبحه، لكنه لا يتنازل عن عذرية الحلم ونقائه. إنه يرفض رفضًا قاطعًا استعارة الوجوه، أي الأقنعة الزائفة، مفضلًا عري البياض على زيف الألوان المتعددة.

تأتي الخاتمة كأقوى صرخة تطهيرية في الشعر الحديث. يرحل الآخرون، ويتلاشون، ويذوبون في العدم، ويستحضر الشاعر هنا الدلالة القرآنية والكونية للزبد: «كانوا زبدًا»، فالزبد يذهب جفاء، أما ما ينفع الروح فيبقى في بياضها المعمر.

إن تكرار كلمة «بيضاء… بيضاء… بيضاء» في ختام النص ليس تكرارًا لفظيًا، بل هو غسيل روحي، وتأكيد على أن معركة الإنسان الحقيقية في هذه الحياة ليست في أن ينتصر على أعدائه، بل في أن يحافظ على نقاء سريرته، وألا يشبههم مهما أوجعوه.

عبد السادة البصري، في هذا النص، لم يكتب شعرًا، بل تقيأ وجعًا، وغسل جرحه بماء الصبر، وخرج إلينا رافعًا راية النقاء الروحي بوصفها أعلى مراتب الانتصار الإنساني. نص كتب بدم القلب، وصيغ بنور الروح، ليبقى دائمًا وأبدًا… أصفى من البياض

)

الآخرون… أفردت لهم صفحة القلب، وتركت للروح بياضًا.

لازمني وهمي ملازمة الروح للجسد.

تدفأت بالحنين، وأصغيت… أصغيت… أصغيت حتى ملّني الصمت.

داخلي أصوات تخنقني.

مذهولًا منها،
مذهولًا منه،
مذهولًا منهم،
مذهولًا من القلب.

البياض يتلبسني،
السواد عيوني… وعيوني السواد.

الفضاء الملبد بالمتاهات، والكؤوس، والحكايات، والأقاويل…
يجبرني على التحرك.
لا أدري إلى أين؟

لكنني أتجرجر مفتونًا ببياضي.

صفحة القلب اتسخت، لوثها الآخرون، العابثون، الحاسدون، الحاقدون، المرضى النفسيون… عاثوا بها.

وظلت الروح تنضح بياضًا.

حلمًا عشته، قبعت فيه ردحًا،
وإلى الآن… تتوارثني أحلامي،
منهكة، متهرئة، خائرة العزائم.

لكنني أسير… أسير… أسير…
أسيرها دومًا، ولا أدري…
إلى أين؟
ومتى؟
وكيف؟

ذبحت كثيرًا،
وصلبت كثيرًا،
وشتمت كثيرًا.

وفي كل مرة
أنهض كالعنقاء كثيرًا.

أرضى جدًا أن تذبح أحلامي،
لكنني لن أقبل قط أن تلوث.

ما تلوثت أبدًا،
ولم أستعر وجهًا.

ظل حلمي، وقلبي، وروحي في صفاء تام.

ذهب الآخرون جميعًا،
وتلاشوا…
كانوا زبدًا.

وبقيت روحي بيضاء،
بيضاء…
بيضاء…

لأبقى أصفى من البياض دائمًا

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان