ثقافة شعبية

ذاكرة الورّاق “مقالات كاظم الحجاج

طالب كريم

عن سلسلة «مقالات» التي تصدرها دار الشؤون الثقافية العامة/ وزارة الثقافة والسياحة والآثار، صدر حديثًا للشاعر الكبير كاظم الحجاج كتابه الجديد الموسوم «ذاكرة الورّاق: سمعتُ، قرأتُ، رأيتُ، حفظتُ».

والكتاب مجموعة مقالات نُشر معظمها في الصحف والمجلات العراقية والعربية والعالمية، وجاءت مقدمته تحت عنوان «عتبة الورّاق»، نقتطف منها:

«هذه رحلة معرفية نافعة، لأحفادنا على الأقل؛ لأن ما سمعناه من أساتذتنا، منذ الابتدائية حتى الجامعة، يصعب أن يتكرر اليوم مع أحفادنا ومع معلميهم، منذ الابتدائية حتى الجامعة كذلك. وما قرأناه من كتب يصعب أن يُعاد طبعها اليوم، في زحمة الكتب، وزحمة الفضائيات، وزحمة شاشات التواصل. وما رأيناه في أزمنتنا يصعب أن يُرى اليوم كذلك. لا ننحاز إلى أزمنتنا مثل الأصوليين وأتباع الماضي البعيد، غير أننا نقدم الآن ما سمعنا، وما قرأنا، وما رأينا (رؤية العين ورؤية الرأي). هذا مهدُ ومهادُ زماننا – ولا نقول: ماضينا – الذي تربينا عليه. إنه معلومة، وإنه رأي، وإنه طرفة، وإنه متعة القراءة والسماع.»
ك. ح

نحن نقرأ، وعلى بركة البصرة التي لا تنجب إلا الملح والشعر والدهاء، نقرأ كتابًا لا يشبه الكتب. «ذاكرة الورّاق» ليس مجموعة مقالات، بل هو دفتر عمر، وخزانة بصرية، ومقعد خشبي في مقهى أدبي مفتوح على ستين عامًا من الكتابة. جمعه الشاعر كاظم الحجاج من زوايا الصحف والمجلات العراقية والعربية والعالمية، منذ أن كان طالبًا في كلية الشريعة ببغداد في ستينيات القرن الماضي.

ولأن الورّاق في تراثنا هو الحافظ، والناقل، والشاهد الذي لا يكتب ليؤرخ فقط، بل ليُضحك ويُبكي ويوقظ، يقول الحجاج في عنوانه الفرعي: «سمعتُ، قرأتُ، رأيتُ، حفظتُ». أربع كلمات تلخص منهج رجل جعل من الذاكرة قلمًا، ومن الطرفة سلاحًا، يمشي على حبل دقيق بين الجد والهزل.

هنا تجد الطرفة البصرية الخفيفة، وهناك السخرية اللاذعة، وهنالك الكوميديا السوداء التي تُضحكك، ثم تجعلك تسكت فجأة؛ لأنها لمست الجرح. كتب الحجاج عن الأدب والسياسة والمجتمع بالقلم نفسه؛ لأنها عنده أوجهٌ لعملة واحدة اسمها «الإنسان العراقي».

من «عتبة الورّاق» إلى «أحرف الصوتأحرف الصورة»، ومن «ظريف ظرفاء البصرة» إلى «نكات الشعوب»، يأخذنا الكاتب في جولة لا تهدأ. يمر بـ**«العرب والإعراب»** و**«من هم الشعوبيون؟»**، فيطرح أسئلة الهوية من دون خطابة. ويقف عند «محمود البريكانحياة مقفلة وموت مستباح»، فيتحول النقد إلى رثاء، ويفتح ملف «من ذاكرة يهود البصرة: سالم عابد»؛ ليذكرنا بأن ذاكرة المدينة أوسع من طائفة ومذهب.

ولا ينجو أحد من قلمه: «العثمانيون قادمون»، و**«هدايا المربد»، و«هذا نظام البيعة»، و«المستفيدون من الاحتلال»، و«المسلحون بالإيمان»**، وحتى «مشروع فيلم سينمائي إنتاج عراقي كويتي». كلها محطات يرصدها الورّاق بعين الشاعر، ولسان الناقد، وروح ابن البصرة الذي يحول الوجع إلى طرفة، والطرفة إلى حكمة.

«ذاكرة الورّاق» كتاب لمن تعب من الكتب الجامدة. إنه كتاب صحبة؛ تقرؤه فتشعر أنك جالس مع كاظم الحجاج في أحد مقاهي البصرة، يروي لك، ويسخر، ويغضب، ثم يختم ببيت شعر من «شعر الورّاق» أو بحكمة من «حكم قراقوش»، ليقول لك: اضحك، لكن لا تنسَ.

الكتاب يقول إن الثقافة، حين تفقد خفة دمها، تموت، والحجاج أعاد إليها الروح.

ويقع الكتاب في 260 صفحة من القطع المتوسط، وصمم غلافه الفنان نورس نبيل يعقوب.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان