ثقافة شعبية

براءات متناسلة في نصّ (براء)*

مقاربة: مهدي علي ازبيّن

مدخل:

ركزت نظرية التلقي على دور المتلقي في الجانب الجمالي من النصوص الأدبية وعدّته الفاعل الأساسي في التعاطي بين النص- القارئ، وذلك من خلال استغواره للنص وتسخير أدوات التأويل، ومحاولاته في إعادة تركيب بنى النص بعيداً عن مقاصد الكاتب، وملء الفجوات والسعي لاكتشاف أفق التوقع، وبذلك يعدّ العمل الأدبي مختلفاً عن انطلاقته الأولى، وتكون المستويات الجمالية متفاوتة من قارئ لآخر على وفق مرجعياته الثقافية ومعلوماته في كل المجالات، لذلك تعدّ كل رواية جنساً مستقلاً بذاته بتعدد متلقيها.

هنا محاولة لتطبيق إجرائي على نص (براء)، لما يتضمن من جوانب مغرية لاشتغالات التلقي، إذ بدا نصاً تجريبياً في كثير من جوانبه، يحمل ملامح التحدي، فقد صنفه كاتبه بأن (رواية) وألحقها بـ (قصيرة).

نظرة في النص:

للوهلة الأولى قد يبدو النصّ غير جاذب، لما فيه من تجريب غير معتاد، إذ سُطرت أنساقه اللغوية بشكل لم يألفه المتلقي، فهو متعامد على طريقة (قصيدة النثر)، مبتعداً عن الكتل الإنشائية الأفقية، وهذه التراكيب اللغوية المكثفة تراتبت في جمل قصيرة متلاحقة، وأحياناً تقطّع الجملة إلى أجزاء متتالية تسرّع من عملية التلقي.. فزمن القراءة لا يستغرق أكثر من ساعة، أي يمكن الانتهاء من متونها في جلسة واحدة.

إشارات في تلقي (براء):

في قراءة تقليدية قد لا تصل مجمل الحكاية وشفرات النص إلى المتلقي بشكل مباشر، أما القراءة المتأنية أو إعادة القراءة تفضي إلى استخلاص مبررات واقتراح فرضيات تغني النص في النظرة الظاهرية لأسلوب الكتابة، وقد توحي إلى أن الكاتب ترك فراغات- بياضات في صفحات مدونته، وهذه الطريقة تسرّع من عملية التلقي، وتعطي راحة لعين المتلقي، وتقلل من إجهاده البدني والنفسي، لكن في  المقابل هناك جوانب جمالية تنتج من هذه الفراغات حين يتأمل المتلقي العبارات البليغة والصور الذهنية المتشكلة لديه، فيجد نفسه يملأ هذه البياضات من خلال ما تتوصل إليه ملكته الأدبية في القراءة والتحليل وانفتاح آفاق التأويل، وقد يزيد عليها بتعويض الأنساق اللغوية التي تخصّ الوصف والمشاهد المفتقدة في مجمل النص.

يبدو أن الكاتب لجأ إلى هذا الشكل من التدوين لصعوبة الرسالة المبثوثة في النص، أو بغية مشاركة المتلقي في إنجاز نص مكتنز يتشكّل في ذهنه، فجعل النص مقارباً للسيناريو من دون تفاصيل تضيء جوانب السرد، وتؤثث الفضاء السردي، وحتى فواعله الجمعية تركها عائمة ومن دون مسميات، كأنه يرسل شفراته أو رؤوس أقلام، أي مطالع نصوص وعلى المتلقي اقتراح مكملات أو تشكيل بدائل عن الكتلة السردية المُتغافل عنها..

قراءة في الغلاف:

توزعت الرموز والكتل اللونية في الغلاف الذي صممه الفنان خالد خضير، متفاعلة مع متون النص، فقد توسطت الإعلان البصري صورة شبحية لفتاة صغيرة تجلس على الأرض في حالة قنوط واستسلام، كما تصدم الرائي ضفيرة تنضح جمالاً، توحي بأن صاحبتها حبكتها بعناية، مما يدلّ على حبها للحياة، لكن هذه الضفيرة هي أثر صادم من مخرجات الرواية، فهي تمثل علامة لاقتراف جريمة بحق صاحبتها (براء) الطفلة المغدورة، إذ علقها أفراد عشيرتها المنتفضين لشرفهم المهدور فوق البيت الذي خرجت منه، دلالة على غسل العار الذي هُتك من قبل الضحية براء، برزت هاتان العلامتان من فضاء يلفّه لون الرماد.

العنوان:

يواجهنا العنوان (براء) باللون الأحمر الفاقع، دلالة على جمال حامله، وكذلك يهيّئ المتلقي لتوقع مصير صاحبته..

 معنى براء هو الشفاء من الألم أو انتفاء تهمة، وهناك من يحيله إلى البراءة والنقاء.. لم يظهر هذا المسمى إلا بعد مقتل حامله في مشهد مناجاة السارد للجثة الغارقة بالدم [براء غابت عن شعرها] (86)، [براء ليست هنا] (87).

وقبل ذلك همس بهذا الاسم من دون أن يذكره [قلت الاسم بصوت خفيض لم يسمعه أحد إلا أنا](52)، ويحضر الاسم في المشهد الأخير حين يعثر على الطفل ابن المغدورة وعمره ست سنوات، وهو يبيع علب المناديل على سائقي السيارات فيناديه [براء](126).

العنوانات الداخلية:

قسّم الكاتب عمله على عشرة فصول، عنون منها ثمانية وترك اثنين من دون مسمى:

ف/1: الستر، وهو يتطابق مع مبادرة الطبيب للحفاظ على حياة الفتاة التي فحصها بجهاز السونار، واتضح أنها حامل.

ف/2: بين جدارين، وهو تعبير عن الحالة التي يشعر بها الطبيب تجاه الفتاة، فهما غريبان التقيا تحت سقف واحد، في ظروف ملتبسة، لكنهما مختلفان في كل شيء.

ف/3: الكائن الثالث، والمقصود به الجنين في بطن الفتاة الذي لا يُعرف أبوه، وقد وقف حاجزاً في التواصل الإنساني بينهما.

ف/4: العتبة، إشارة إلى المكان الذي سيترك فيه الرضيع للتخلص منه بعد أن يلتقطه أحدهم، كذلك يشير العنوان إلى بداية علاقة أكثر انفتاحاً بينهما.

ف/5: حين يربى الصمت، تواصل الصمت مع السارد وهو يراقب (براء) في حراكها اليومي في انتظار أن تبوح بتفاصيل مأساتها..

ف/6: الاتفاق الصامت، وردت هذه العبارة في ص 74، فقد كان يلفهما سكون لا تكسره عبارة أو حوار، يلمّح هذا العنوان على ترك الماضي للنسيان بعد أن اعترفت براء بكل شيء.

ف/7: آخر ما تبقى، يقصد به الجانب المادي أو الأثر الباقي من (براء) بعد أن دفنها، وبقيت علامات الانتقام العشائري، ألا وهما: الكف المقطوعة والضفيرة المجتزة، وظلّتا معلقتين فوق الدار التي خرجت منها.

ف/8- ف/9: لم يتصدرهما عنوان وهو دليل على فراغ داخلي يراوح في نفس السارد، وما يحيطه من بيئة لا يتفاعل معها ولا يشعر بطعمها.

ف/10: ما تبقى، بعد صولته الفاشلة للثأر، وبعد أن انتزعت منه ست سنوات قضاها في السجن عقوبة لجريمة لم تشفِ غليله؛ يشرع في البحث عن ابن (براء) لأنه الجزء الباقي من ذكراها.

مسار الحكاية:

بدأت الحكاية المركزية من غرفة جهاز السونار، إذ صور لنا السارد- الطبيب بضمير الأنا قيامه بفحص فتاة مشكوك في حملها، ومعها امرأة متأففة وفي الخارج مجموعة رجال أشداء يتربصون بانتظار النتيجة، فيبادر الطبيب باقتراح لإنقاذ الفتاة وجنينها، ويعرض عليهم ارتباطه بعقد زواج طلباً للستر، وتحصل الموافقة بشرط الجلاء عن مدينتهم، يهرب الطبيب بالمتهمة إلى أطراف البصرة، حتى تضع حملها، فيقوم الطبيب بالتخلص من الرضيع حين يقرر وضعه على باب جامع.. مع هذا بقي ذوو الفتاة يقتفون أثرها، كي ينفذوا جريمتهم ثأراً لشرفهم المدنس.

كما توجد في المتون حكايات مجاورة أسندت حبكة العمل، منها حالة المصري الذي شاركه الطبيب غرفة في فندق متعب، إذ نعرف من تفريغ المصري لكل ما يدور بداخله، وأنه فقد زوجته التي أحبها وأرضه الزراعية إثر نزاع عشائري.

كما رافقنا السارد في سعيه لتنفيذ ما استقر عليه من فكرة أخذ الثأر من قاتل (براء)، ثم نفهم أنه قضى ست سنوات في السجن.

وينتهي العمل بحكاية بحثه عن ابن براء، ونبقى معه حتى النهاية حين يلتقي به في الشارع وهو يتنقل بين السيارات ليبيع علب المناديل الورقية.

وعرفنا في جوانب من المتون عن سيرة مختزلة لحياة براء ومصير أسرتها، وكيف وجدت نفسها تعيش في بيت خالتها، مع بعض ملامح ما جرى لها.

فجوات العمل:

يتضح هذا في شخصية الأم المحيّرة، وكيف تمسّك الغموض في وجودها، إذ ظهرت في الصفحة الثامنة، وهي ترافق الفتاة في غرفة السونار، تبدو في حالة قلق وترقب من خلال شدها العباءة على صدرها بانفعال.

ثم تظهر عن طريق الصوت في الصفحة 46، وذلك حين اتصل بها السارد الطبيب بعد أن وضعت براء وليدها، كي يعرض عليها الاعتراف به من قبل أبيه البيولوجي، وفي الاتصال تقوم الأم المزعومة بتهديد الطبيب وتأمره بعدم الاتصال.

ونكتشف بعد أن انكسر الصمت بين الطبيب وبراء وإصراره على معرفة ملابسات حياتها، أن هذه المرأة ليست أمها، بل خالتها وأم مغتصبها، أما أمها الحقيقة فقد توفيت بعد أبيها الذي ذهب إلى الحرب شرقاً، ولم يعد حين تصرح (براء) [وأمي لحقت به بعد أشهر] ص65

وإثر تنفيذ السارد لفعلته في تصفية قاتل (براء)؛ نُفاجأ به وقد أطلق سراحه من السجن في عفو عام بعد ست سنوات سجن، وقد سرّع الكاتب تزمين السرد تاركاً فراغاً لم نعرف تفاصيل إلقاء القبض عليه، أو أنه سلم نفسه طواعية، ونفاجأ بأنه قتل شخصاً آخر غير غريمه.

وبعد الإفراج يأخذنا في مشوار مبهم لم نعرف غاياته، ونرافقه في استقصائه عن هدف لم يفصح عنه، حتى يصل باباً تطل منه امرأة يسألها، ثم نجده يجلس مع رجل يفاتحه بطلب لم يفصح عنه.. يأخذه الرجل مشيراً إلى طفل يتقافز بين السيارات، لنفهم أنه كان عازماً على العثور على (براء) الابن.

استخلاص:

يبدأ السارد رحلته من أجواء البؤس سنة 1996، فهو يصرّح منذ عبارته الأولى عن انعدام الوقت، وهو يتكرر بلا معنى أو يستنسخها من خلال الأيام، من دون أي أمل في متغير ما، وتتوقف متوالية الملفوظات بعبارة [العالم يمضي وأنا في مكاني]ص128، وكأنه يدوّن هذه المتون من عالم يبدو غريباً عنه، يراوح في مكانه، منصاعاً لضغوطات الظروف التي حاول تصحيح بعض مساراتها الملتوية، لكنها تجاهلته وجعلته يدفع ثمناً باهظاً مقابل سعيه هذا.

*براء، رواية، نبيل عبد اللطيف، دار توليب، بغداد،2026م.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان