ثقافة شعبية

” ناجون ينتظرون الغرق” للشاعر عامر عواد الخفاجي

جماليات الغرق المؤجل: دراسة ذرائعية في خطاب الخيبة والأمل

هيثم محسن الجاسم

مقدمة

ينتمي هذا النص “ناجون ينتظرون الغرق ” إلى الشعر النثري الحديث الذي يجعل من التجربة الإنسانية محورًا لبنيته الجمالية والدلالية.

ومن منظور المنهج الذرائعي لا تُقرأ اللغة بوصفها زخرفًا بل بوصفها أداةً وظيفيةً لنقل الأثر النفسي والقيمي إلى المتلقي.

لذلك تتجلى ذرائعية النص في قدرته على تحويل الألم الفردي إلى تجربة إنسانية عامة، تستثير الوجدان وتفتح أفق التأويل أمام القارئ دون الوقوع في المباشرة أو الخطابية.

الدراسة الذرائعية:

أولًا: البؤرة الفكرية:

يقوم النص على ثنائية مركزية هي: النجاة/الغرق والأمل/الخيبة.

فالمطلع:

“من قال إن الذين ينجون يصلون

أحيانا نحن لا ننجو

نحن فقط نتأخر في الغرق”

يؤسس لرؤية وجودية تشكك في مفهوم النجاة ذاته، ليصبح الغرق قدرًا مؤجلًا لا حدثًا منتهيًا. وهذه الفكرة تمنح النص عمقه الفلسفي منذ بدايته.

ثانيًا: المستوى النفسي:

يتحرك الخطاب باتجاه مخاطبة امرأة/روح مجروحة، لكنها تتحول تدريجيًا إلى رمز إنساني عام.

فالصور مثل:

“تحرسين الصدى”و”ترتبين خرابك كأنك تستقبلين ضيفًا عزيزًا” تكشف عن شخصية تتعايش مع خساراتها بدل أن تهرب منها، مما يخلق أثرًا وجدانيًا قويًا لدى المتلقي.

ثالثًا: البنية الجمالية:

يعتمد النص على الجمل القصيرةالمتتابعة. والإيقاع الداخلي بدل الوزن الخليلي.

والصورة المركبة الممتدة.

والاستعارة الوجودية.

ومن أجمل صور النص:

“كأنك فكرة أفلتت من رأس السماء” إذ ينتقل التصوير من المحسوس إلى المجرد فيمنح الشخصية بعدًا أسطوريًا وروحيًا.

رابعًا: البعد القيمي:

رغم امتلاء النص بالحزن،  الا إنه لا يدعو إلى الاستسلام، بل يمجد قيمة إنسانية نبيلة هي القدرة على الحب رغم الانكسار.

ويتجلى ذلك في قوله:

“كلما كُسر

صار أكثر قدرة على الحب”وهي الرسالة الأخلاقية العميقة التي تشكل غاية النص الذرائعية.

خامسًا: الأثر التداولي:

نجح النص في استدراج القارئ إلى المشاركة الوجدانية. فالقارئ لا يبقى متفرجًا على تجربة الآخر، بل يجد نفسه داخلها. وهذا من أهم معايير النجاح الذرائعي حيث يتحول النص إلى فعل تأثير لا مجرد بناء لغوي.

الأسلوب الشعري الذي ينتمي إليه النص أقرب إلى قصيدة النثر الوجدانية ذات النزعة الوجودية والتأملية.ويقترب أسلوبيًا من ناحية النبرة والاشتغال على الخراب الإنساني والحنين المؤجل،و يبدو أكثر قربًا من أسلوب وديع سعادة ممزوجًا ببعض النفس التأملي الذي نجده عند محمود درويش في مرحلته الأخيرة.

اخيرا؛

نحن امام نصٌّ شعريٌّ نثريٌّ ناجح، يقوم على استثمار الخيبة بوصفها طاقة جمالية لا شكوى مباشرة، ويُحوِّل الألم الشخصي إلى قيمة إنسانية عامة. وقد حقق وظيفته الذرائعية عبر التأثير الوجداني العميق،وبناء صور مبتكرة،وإيصال رسالة مفادها أن الإنسان قد يُهزم مرات كثيرة، لكنه يظل قادرًا على الحب وانتظار النداء الأخير من جهةٍ ما في العالم.

النص

” ناجون ينتظرون الغرق”

من قال إن الذين ينجون

يصلون

أحيانا

نحن لا ننجو

نحن فقط

نتأخر في الغرق.

أراك من بعيد

كأنك فكرة أفلتت من رأس السماء

وسقطت على الأرض

ثم تعلمت كيف تخفي كسورها تحت الضوء

فيك شيء لا يشبه النساء اللواتي مررن من هنا

شيء يشبه بابا

بقي مواربا

لأجل أحد

لن يعود.

كأن قلبك

بئر قديمة

كلما اقترب منها العابرون

رأوا ماءهم

ورحلوا

وأنت

بقيت هناك

في القاع

تحرسين الصدى.

كم مرة

ربت على كتف وحدتك

كما لو أنها طفل مذعور

وكم مرة

ضحكت بصوت واضح

بينما في داخلك

كانت الأشياء تتهاوى

بهدوء بيت يهدم في الليل

أعرف هذا التعب

تعب أن تكون الروح أوسع مما ينبغي

فتدخلها الخيبات

كما يدخل الغبار

من نافذة مفتوحة

وتبقين

كل مرة

ترتبين خرابك

كأنك تستقبلين ضيفا عزيزا

ما أقسى أن يحمل الإنسان قلبا

لا يعرف كيف يكره

كلما كسر

صار أكثر قدرة على الحب

لهذا تمشين

كأن فوق كتفيك عمرين

عمر عشته

وعمر دفنته وهو حي

ومع ذلك

حين يمر الهواء قربك

ترفعين وجهك إليه

كأن في الجهة الأخرى من العالم

أحدا ما

ما زال ينادي اسمك سرا…

ولم يتعب بعد.”

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان