مارلين إيدلهايت – نيويورك
يقدّم فيلم «العميل السري» للمخرج البرازيلي كليبر مندونسا فيليو أكثر من مجرد حكاية تدور في زمن الديكتاتورية العسكرية؛ فهو يطرح منذ بدايته سؤالاً أعمق عن الذاكرة، ومن يملك حق سرد التاريخ، وكيف يمكن للسينما أن تتحول إلى مساحة لمقاومة النسيان. هذا البعد الفكري كان حاضرا بقوة في المؤتمر الصحفي الذي عُقد ضمن فعاليات مهرجان نيويورك السينمائي في دورته الأخيرة لعام 2025، عقب عرض الفيلم، حيث اتسع الحديث مع المخرج والممثل فاغنر مورا ليكشف عن رؤية سينمائية ترى في استعادة الماضي فعلاً ثقافيا وسياسيا ًفي آنٍ واحد. وأوضح مندونسا أنه كتب الدور الرئيسي خصيصًا لفاغنر مورا، بعد معرفة مهنية امتدت لما يقارب عشرين عاماً. وأكد أن اختياره لم يكن قائما ًعلى شهرة مورا فقط، بل على حضوره الإنساني وقدرته على التوغل في الشخصية وتجسيدها من الداخل. ويعكس هذا الاختيار قناعة المخرج بأن السينما لا تبدأ من النص وحده، بل من الممثل أيضًا، بوصفه عنصراً أساسيا ًفي بناء المعنى وإحياء الشخصية.
لكن أكثر ما لفت الانتباه في النقاش كان تفسير مندونسا لاختياره عام 1977 زمناً لأحداث الفيلم. فهو لا يعود إلى سنوات الديكتاتورية العسكرية في البرازيل بهدف إعادة بناء الماضي كما هو، بل لمحاولة فهم ما سماه «منطق تلك المرحلة»؛ أي شبكة القيم واللغة وأنماط السلوك الاجتماعي التي حكمت الحياة اليومية آنذاك، وكيف عادت بعض ملامحها إلى الظهور مع صعود اليمين السياسي في البرازيل خلال العقد الأخير. ومن هنا، يصبح الماضي عنده أداة لفهم الحاضر، لا مجرد خلفية زمنية للأحداث. وتتصل هذه الرؤية بفيلمه الوثائقي «صور الأشباح»، الذي يتأمل فيه إرث والدته، وهي مؤرخة متخصصة في التاريخ الشفهي. وقد أشار مندونسا إلى أن التسجيلات الصوتية والوثائق اليومية ليست مجرد مواد أرشيفية جامدة، بل تحمل داخلها تجارب وأصواتا ًغابت عن السرديات الرسمية للتاريخ. ومن هذا المنطلق، يوظف فيلم «العميل السري» التسجيلات الصوتية باعتبارها وسيلة لاستعادة ذاكرة مهددة بالمحو، ليجعل من السينما نفسها أرشيفاً حياً للمجتمع وذاكرته. أما الممثل فاغنر مورا، فرأى أن الديكتاتورية العسكرية في البرازيل لا تزال حاضرة بوصفها أثرا ًحياً، لا مجرد فصل منتهٍ من التاريخ. وأوضح أن تداعياتها استمرت طويلًا بعد انتهاء الحكم العسكري رسميًا، وظلت متغلغلة في اللغة والسلوك الاجتماعي وفي ثقافة الخوف التي تشكل جزءا ًمن الحياة اليومية. لذلك، فإن الفيلم لا يتناول الماضي فقط، بل يسلط الضوء على استمرار ظلاله في الوعي الجمعي البرازيلي. وفي النهاية، أظهر النقاش أن «العميل السري» ليس فيلماً سياسيا ًبالمعنى التقليدي، بل هو تأمل نقدي في العلاقة بين الذاكرة والسلطة. فبدلا ًمن أن يعيد بناء التاريخ، يقوم مندونسا بمساءلته، مؤكداً أن السينما، حين تنصت إلى الأصوات المنسية والمهمشة، لا تكتفي بسرد الوقائع، بل تتحول إلى وسيلة عميقة لفهم المجتمع نفسه. وهنا تكمن قوة الفيلم الحقيقية: في تحويل الذاكرة الشخصية إلى قراءة واسعة للتاريخ والثقافة والهوية.









