متتالية قصصية
ھدى حجاجي أحمد
- بيننا موسيقى لا تُقال
سيظل بيني وبينك عزفٌ منفرد، لا يفهمه العابرون ولو جلسوا عقودًا يحاولون فك شفراته. فبعض العلاقات لا تُفسَّر بالكلمات، ولا تُقاس بعدد اللقاءات أو الرسائل أو السنوات. هناك أناس نعبرهم مرة واحدة، لكنهم يتركون في أرواحنا أثرًا يشبه النغم الخافت الذي يستمر بعد انتهاء الموسيقى. كنت أشعر كلما اقتربت من حقيقتك أن شيئًا دافئًا يزهر داخلي بصمت، كأن روحًا كانت نائمة في أعماقي استيقظت فجأة على وقع حضورك. لم يكن الأمر حبًا بالمعنى الذي يعرفه الناس، ولا صداقة كما تُكتب في القواميس، بل حالة من الألفة الغامضة التي تجعل القلب يعرف طريقه إلى قلب آخر دون خرائط أو علامات.
- حين تأتي النهايات مبكرًا
أصعب ما في النهايات أنها لا تستأذن أحدًا. لا تنتظر اكتمال الحكاية، ولا تترك لنا فرصة لترتيب الفوضى التي تخلفها وراءها. تأتي أحيانًا في أكثر الأوقات خطأ، حين نكون منشغلين ببناء أحلامنا الصغيرة، أو حين نعتقد أن الطريق ما زال طويلًا أمامنا. هكذا جاءت نهايتنا. لم تكن هناك خصومة كبيرة ولا خيانة مدوية، بل مجرد لحظة صمت طويلة ابتلعت كل شيء. لحظة أدركنا فيها أن الطرق التي جمعتنا يومًا بدأت تتفرع بصمت، وأن ما كان يبدو أبديًا صار مجرد ذكرى تتراجع ببطء نحو الضباب.
- جدار الوجوه المستعارة
بعد رحيلك، وقفت روحي عارية أمام العالم. لأول مرة رأيت الوجوه كما هي. رأيت كم من الأقنعة يرتدي البشر، وكم من الابتسامات تخفي وراءها فراغًا هائلًا. كنت أسير بين الناس وأشعر أنني في معرض طويل من الوجوه المستعارة. الجميع يتحدثون، لكن أحدًا لا يقول ما يشعر به حقًا. الجميع يبتسمون، لكن الحزن يطل من زوايا عيونهم كضيف ثقيل. أدركت يومها أن الاغتراب ليس أن نبتعد عن الأوطان، بل أن نقف وسط الجموع ونشعر أننا لا ننتمي إلى شيء.
- بحر المظاهر الزائفة
كانت الحياة من حولي تشبه مسرحًا كبيرًا. أضواء كثيرة، وضجيج أكثر، لكن خلف الستار يسكن التعب. رأيت أناسًا يتباهون بسعادتهم وهم ينهارون في الخفاء، وآخرين يملكون كل شيء إلا الطمأنينة. كان اليقين يضيع وسط هذا الضجيج، كما تضيع سفينة صغيرة في بحر هائج. وكلما ازداد الزيف حولي، ازددت تمسكًا بتلك اللحظات القليلة التي كانت حقيقية. اللحظات التي جمعتني بك قبل أن تسرقنا الطرق المختلفة. كنت أشعر أن صدقًا واحدًا عاش بيننا يساوي أعمارًا كاملة من العلاقات المصطنعة.
- ما تبقى من العزف
مرت الأعوام، وتغيرت أشياء كثيرة. تبدلت المدن، وكبرت الأحلام ثم شاخت، ورحل أشخاص وجاء آخرون. لكن ذلك العزف المنفرد ظل عالقًا في مكان ما من روحي. ليس لأنني ما زلت أنتظر عودة مستحيلة، بل لأن بعض البشر يتحولون بعد الرحيل إلى جزء من تكويننا الداخلي. يصبحون فصلًا من كتاب العمر لا يمكن نزعه دون أن تتمزق الصفحات. واليوم، حين أنظر إلى الخلف، لا أشعر بالندم ولا بالحسرة. أشعر فقط بالامتنان. امتنان لذلك النغم الذي مر في حياتي ذات يوم وعلمني أن الأشياء الجميلة لا تُقاس بطول بقائها، بل بعمق الأثر الذي تتركه. وربما لهذا السبب سيظل بيني وبينك عزف منفرد لا يفهمه العابرون، لأن الموسيقى الحقيقية لا تُسمع بالأذن، بل بالقلب وحده.









