استذكار الجواهري.. تباهٍ بالوطن والشعر والتنوير
* رواء الجصاني
في الذكرى السنوية التاسعة والعشرين لرحيل الجواهري، التي تحل في 27 تموز/يوليو 2026، أصدر مركز الشاعر الخالد للثقافة والتوثيق بيانًا جاء فيه:
“في يوم الرحيل المؤسي، الأحد السابع والعشرين من تموز عام 1997، استنفرت وكالات الأنباء والمراسلون والقنوات الفضائية وسائر وسائل الإعلام لتبث خبرًا هادرًا هزَّ مشاعر، ليس النخب الثقافية والسياسية فحسب، بل مئات الآلاف من الناس في شتى الأرجاء:
«الجواهري يرحل إلى الخلود في أحد مشافي دمشق، عن عمر ناهز المئة عام».
وأضاف المركز:
“هكذا يُطبق «الموت اللئيم» على ذلك المتفرّد الذي شغل القرن العشرين، على الأقل، إبداعًا ومواهب، ثم راحت الأحاديث والكتابات تتوالى بعد الخبر المفجع، متحدثةً عن عظمة الراحل الكبير ومجده:
- المتميّز بعبقريته التي يتهيّب أن يجادل فيها أحد.
- السياسي الذي لم ينتمِ إلى حزب، بل كان «حزبًا» بذاته، يخوض المعارك شعرًا ومواقف رائدة.
- الرمز الوطني الذي أرّخ للبلاد وأحداثها، بأتراحها وأفراحها، من داخل الحلبة، بل من قلبها، مقتحمًا ومتباهيًا:
أنا العراقُ لساني قلبُهُ ودمي
فراتُهُ وكياني منه أشطارُ.
وأضاف البيان أن ذلك الراحل الخالد كان حامل القلم الجريء والمتحدي الذي:
«لو يُوهبُ الدنيا بأجمعها
ما باع عزًّا بذلِّ المترفِ البطرِ».
كما كان صاحب وناشر صحف «الرأي العام» و**«الجهاد»** و**«الثبات»**، ورفيقاتها من الصحف الأخرى.
وكان منوّرًا حمل همَّ الارتقاء، مرددًا طوال عقود حياته:
لثورةِ الفكرِ تاريخٌ يُحدِّثنا
بأن ألفَ مسيحٍ دونها صُلِبا.
وهو ملهم قصائد «آمنت بالحسين» و**«يوم الشهيد»** و**«قلبي لكردستان»** و**«الغضب الخلاق»** و**«الفداء والدم»**، شامخًا يطأ الطغاة بشِسع نعلٍ عازب.
والجواهري أيضًا متمرّد عنيد، ظل طوال حياته باحثًا عن «وشك معتركٍ أو قرب مشتجر» كي «يطعم النيران باللهب».
وهو مبدع فرائد «المقصورة» و**«زوربا»** و**«المعري»** و**«سجا البحر»** و**«أفروديت»** و**«أنيتا»** و**«لغة الثياب»** و**«أيها الأرق»**، وغيرها كثير.
وقبل كل ذلك وبعده، كان الرجل الذي:
«أحبَّ الناسَ كلَّ الناسْ
من أظلمَ كالفحمِ، ومن أشرقَ كالماسْ».
كما كان «الفتى الممراحُ فرّاج الكروب» الذي «لم يُخلِ من البهجة دارًا».
وأضاف البيان:
“إنه رائد في حب المرأة وتقديسها، فمن «زُنَّ الحياة» راح يصوغ الشعر «قلائد لعقودهن»، ويقتبس من وليدهن نغم القصيد، وقد أجاب قبل أن يُسأل:
«لو قيل: كيف الحب؟ قلتُ: بأن تُداءَ ولا تُشافى».
وهو الوديع كالحمامة، والمنتفض كالنسر حين يستثيره الطغيان، وهو الذي قال ما قال، ولم يُصلِّ «لغير الشعر من وثن»، حتى بات الشعراء يقيسون قاماتهم على عمود قامته الشامخ.
وباختصار، فهو ذلك الطموح الوثّاب الذي كان، منذ فتوته، «يخشى أن يروح ولم يُبقِ ذكرًا».
واختتم المركز بيانه بالقول:
“فهل يا ترى غدت قصائده، حقًا، «ملءَ فم الزمان»؟ وهل ثبتت مزاعمه بأن قصيده «سيبقى ويفنى نيزك وشهاب»، وهو القائل:
وها هو عنده فلكٌ يدوي
وعندَ مُنعمٍ قصرٌ مشيدُ
يموتُ الخالدون بكل فجٍّ
ويستعصي على الموتِ الخلودُ
تُرى، هل صدق فيما زعم؟ إن التاريخ وحده هو الذي أنبأنا، وما يزال ينبئنا، عن الجواب، ويا له من شاهد حقٍّ، عزوفٍ عن الرياء.









