ألاخيرة

بمناسبة مرور 25 عامًا على رحيله..

طلال مداح.. سيرة الصوت الذي غنّى قلب الوطن د. عصام عسيري

في المسافة بين وترٍ مرتجف وصمتٍ مهيب، وُلد صوتٌ لا يُشبه إلا الحنين. هو طلال مداح، ذلك العصفور الحالم الذي علّق قلبه على المايكروفون، وجعل من الحرف لحناً، ومن اللحن وطناً. لم يكن مجرّد مغنٍّ، بل ذاكرة وطنٍ تمشي على قدمين، وصوت عصرٍ بأكمله.

البدايات: عود من الحارة ومسرح من الرمل

وُلد طلال بن عبدالرب الشيخ بن أحمد بن جعفر الجابري في مكة المكرمة عام 1940، وعاش في كنف خاله بعد وفاة والده. منذ نعومة أظفاره، لم يكن يلهو مثل أقرانه، بل كان يختبئ خلف الأبواب يتسمّع إلى عبد الوهاب وأم كلثوم، يخطو بخطى خجولة نحو راديو جدة في الستينات المبكرة، حيث انطلقت أولى تجاربه الغنائية بصوته العذب وأغنياته البسيطة.

كان عوده صديق الطفولة، يعلّمه الصبر والنغمة والنبرة، وكان الشارع أول مسرح له، إذ كان يغني لأصدقائه أغنيات المصريين بطريقته الخاصة. ثم جاءت اللحظة الحاسمة حين أرسل له الملحن السوري السوري عبد الحميد الخطيب أول ألحانه، فغنّى “وردك يا زارع الورد”، لتتحول إلى علامة فارقة، ويتحوّل طلال من هاوٍ صغير إلى صوتٍ تنتبه له الأذن الخليجية لأول مرة بهذا العمق.

الفن كهوية: صوت المملكة الناهضة

لم يكن طلال مجرد مطرب يؤدي ألحان الآخرين. بل كان أول من بادر إلى تأسيس الأغنية السعودية الحديثة، لحناً وغناءً وشكلاً. كتب ولحّن لنفسه، وفتح الطريق لرفاقه من الفنانين السعوديين الذين كانوا في الظل، مثل محمد عبده وعبادي الجوهر. شارك في صنع الوعي الموسيقي لدى شعبٍ كان يخطو خارج الصحراء نحو العصر، فكان طلال صوته وغناؤه وترجمته للفرح واللوعة والرجاء.

غنّى للملك فيصل والملك خالد، وغنّى للوطن، وغنّى للحب وللفقد وللشوق، فصار صوته مرتبطًا بأعمق المشاعر في الذاكرة الثقافية الجمعية السعودية والخليجية واللبنانية والمصرية والعربية والعواصم العالمية.

الرحلة بين العود والمسرح:

امتدت رحلته من مسارح الرياض وجدة إلى مسارح القاهرة وبيروت ودمشق، وكان أول فنان سعودي يظهر على شاشة التلفزيون السعودي الرسمي. تعاون مع كبار الشعراء والملحنين العرب. غنّى كلمات الأمير بدر بن عبد المحسن، خالد الفيصل، عبد الله الفيصل، محمد عبد الله الفيصل وكثير من الشعراء البارزين، واحتضن ألحان محمد شفيق وسراج عمر وطلال باغر، وفي القاهرة جمعه العمل مع بليغ حمدي والموجي وكمال الطويل ومحمد عبد الوهاب.

في كل ذلك، لم يتخلّ عن ملامحه: الغُترة، العود العربي، والوجه الطفولي الذي يشع حنانًا، والصوت العذب الرقيق. لم يركض وراء الحداثة إلا بما يناسب روحه، وكان يقول: “أنا لا أبيع صوتي، أنا أغنّي لأنه يسعدني أن أغني.”

الموت على المسرح: النهاية التي اختارت فنّها

في يوم الأربعاء 11 أغسطس 2000، وقف طلال على مسرح المفتاحة بأبها ليغني، كالعادة. كانت الأمسية احتفاء به، لكن شيئاً ما كان مختلفًا في نبرة صوته، في انحناءة جسده. وأثناء أدائه أغنية “الله يرد خطاك”، سقط طلال وسط تصفيق الجمهور، ولم يقم بعدها. رحل طلال وهو يغني، كما أراد دومًا. رحل وسط صوته، بين فرقته وجمهوره، وسط وطنٍ حزن عليه أيّما حُزن، وما زال يردّد أغنياته حتى اللحظة ويترحّم عليه ويثمّن له وكل جيله ما قدّموه من فن راقي.

إرثه: ليس مجرد أرشيف

 ترك طلال خلفه أكثر من 800 أغنية.  هنا قائمة بأشهر أغاني طلال مداح، والتي شكّلت علامات بارزة في تاريخ الأغنية السعودية والعربية، ولا تزال تُردد حتى اليوم.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان